ثمة كلمات نكتبها ولا نرسلها، وأخرى نرسلها فلا تجد من يقرؤها. وفي هواتفنا أسماء غاب أصحابها، لكن محادثاتهم بقيت، كأن الذاكرة تأبى أن تصدق ما صدقه العمر. نحتفظ بأرقام لن تجيب، وبأصوات لن تتكرر، وبصور غاب عنا أصحابها، ونتعلم متأخرين أن بعض الأوجاع، لو سبقناها بخطوة، لما استطاعت أن تسبقنا بكل هذا الغياب.
وفي أكتوبر، حين يكتسي الشهر بالوردي، أفكر في رسالتين: إحداهما تأخرت عن موعدها، والأخرى ما زال في العمر متسع لوصولها.
الأولى إلى أمي، التي رحلت بعدما طرق سرطان الثدي بابها ثم استوطن جسدها فلم يفارقه. لم يأخذها المرض من حياتنا فحسب، بل ترك لنا حياة نتعلم كل يوم كيف نعيشها دونها، فالموت يحصي الراحلين مرة واحدة، أما المحبون فيحصون غيابهم ألف مرة.
والثانية إلى امرأة اكتشفت المرض مبكراً، وخاضت العلاج حتى تعافت. لم يكن التشخيص نهاية حكايتها، بل بداية معركة عادت منها إلى أحلامها، وإلى نفسها، وإلى أعوام لم تكن لتعرف قيمتها لولا أنها كادت تفقدها.
وبين الحكايتين، لا أقارن شجاعة بشجاعة، ولا أحاكم قدراً بقدر؛ فالمرض لا يختار ضحاياه بعدالة، والنجاة ليست مكافأة للأكثر حرصاً، لكن العلم يخبرنا أن الاكتشاف المبكر يمنح فرصاً أفضل للعلاج، وقد يصنع فارقاً بين مستقبلين.
حين يُكتشف سرطان الثدي في مرحلته الموضعية، أي قبل انتشاره خارج الثدي، تقترب نسبة البقاء على قيد الحياة لخمس سنوات من مئة في المئة، وفق الإحصاءات الأمريكية. وليست السنوات الخمس مجرد رقم في سجلات الطب، بل هي أعوام تتجدد فيها الأحلام، وتكبر فيها الآمال، وتُكتب فيها حكايات كان يُخشى ألا تكتمل.
واليوم، بقيت عشرة أيام من أكتوبر الوردي. وفي الإمارات، حيث تتيح حملات التوعية فحوصاً مجانية، فيما تعجز نساء في أماكن أخرى عن بلوغ الفحص أو تحمل كلفته، تصبح الفرصة المتاحة مسؤولية تجاه أنفسنا.
لا أكتب لأخيف امرأة، ولا لأعدها بأن الفحص يضمن النجاة. أكتب كي لا يصبح الخوف من معرفة الحقيقة سبباً في تأخيرها، فاسألي عن الفحص المناسب لكِ، واحجزي موعدكِ الآن، قبل أن ينقضي أكتوبر.
ثمة غياب لا نملك أن نغيره، وحضور ما زال في وسعنا أن نحميه. ولعل كلماتي لا تغير شيئاً في حكاية من رحلوا، لكنها قد تغير فصلاً في حكاية امرأة تقرؤها اليوم، فما أكتبه ليس رثاءً لمن غابوا، بل رجاء لمن ما زالوا هنا.
