الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

في النظر إلى الذاكرة

22 أكتوبر 2026 00:02 صباحًا | آخر تحديث: 22 أكتوبر 2026 00:02 صباحًا
دقائق القراءة - 2
شارك
share
لا نتعامل ولا ننظر إلى الذاكرة باعتبارها «قدرات للدماغ تُمكِّنه من تخزين المعلومات واسترجاعها». دورها وأثرها في الإنسان يتجاوزان ذلك التعريف بمراحل، فجهاز الحاسوب له ذاكرة تخزّن وتسترجع، لكنه يظل «شيئاً» والذاكرة تتجاوز التشييئ. هي قدرتها على إدخالنا في حال وإخراجنا منها. قدرتها على وضعنا في حال من المواجهة مع حزمة من الأذى القديم، والتعامل معه بما يمكّننا من المضيّ في الحياة وقد خلعنا كل أو جل ما يشوّهها ويجعلنا تحت رحمة ذلك الأذى. هي البيت الذي نأوي إليه لاسترجاع الجميل لندحر به قبح لحظتنا، أو حتى القبح الذي يصرّ على أن يرافق بعضنا كظله. هي حياة أخرى بالتذكّر الذي نسجّله، بحسب إشارة الروائي والرائي غابرييل غارسيا ماركيز «الحياة ليست ما يعيشه المرء، بل ما يتذكّره وكيف يتذكّره ليرويه».
حاجتنا إلى التذكّر. حاجتنا إلى العودة إلى الذاكرة. اللحظة التي استدعيت فيها الذاكرة.. الحدث.. الموقف، كل ذلك يعمل على تحديد الكيفية التي بها نروي ولمن نروي، ونحن في صميم ذلك نقف على ما فاتنا وما لم نستدركه ساعتئذ. نكمل نقصاننا الراهن. نعيد فرز علاقاتنا ونظرتنا وفهمنا وحتى طبيعة مساهمتنا في هذه الحياة. إنها الخزانة التي تستدرجنا إليها وعلينا أن ننتقي ما نتذكّره، أن نتجنّب ما يعيدنا إلى المظلم من تفاصيلها. المظلم باعتباره من نفاياتها. لا نريد لها أن تكون مجمعاً للنفايات. لنجعلها فضاء للكنوز، لما يعيننا على فقر ينتاب لحظاتنا وأيامنا.
يأخذنا بلزاك إلى وظيفة نحن نتحكّم في تفاصيلها، أن نجعلها ضعيفة في مواضع لابد لها أن تكون كذلك، خصوصاً حين يتعلّق الأمر بطبيعة علاقاتنا وحجمها وأثرها، الصداقة خصوصاً، ولا غنى لنا عنها ما وسع الظرف «ازدهار الصداقة لا يكون إلا إذا كانت الذاكرة ضعيفة بحيث تنسى الأخطاء».
تعيننا الذاكرة وتتكالب علينا في الوقت نفسه. طبيعة المكان تحدّد ذلك. أن تكون صديقة أو أن تكون عدوّة. السجن نموذج، وخير من يلتقط ذلك المعنى، السجين السياسي الأشهر في تاريخنا الحديث، نيلسون مانديلا «في السجن تصبح الذاكرة خليلاً وعدواً في آن واحد».
ثم إن حاجتنا إلى النسيان ضرورة وليست خياراً. والنسيان هنا لا يعني تشغيل زر المسح فيها. كل ما يحدث هو أننا نضعها في مساحة معتمة وفي الأطراف، كونها،، أي الذاكرة، «أقوى من النسيان» بحسب تعبير الشاعر الفلسطيني محمود درويش.
نظرتنا إلى الذاكرة هي التي تحدّد طبيعة التعامل معها. ويمكن لها أن تقدّم لنا درساً في الكيفية التي يجب أن تكون عليها حياتنا، أن نحياها كما يجب.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة