الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

«سنين ومرّت زيّ الثواني»

23 أكتوبر 2026 00:01 صباحًا | آخر تحديث: 23 أكتوبر 2026 00:09 صباحًا
دقائق القراءة - 2
شارك
share
في أغنيتها «أنساك؟»، تغني أم كلثوم من كلمات مأمون الشناوي وألحان العبقري بليغ حمدي: «سنين ومرّت زيّ الثواني». نستمع إليها وهي تردّد المقطع فنشعر بأننا نستمع إلى شيء من حياتنا فيه. كأن الكلمات تفتح الباب على ما تركته السنوات في أرواحنا من أثر.
كيف يمكن لسنوات طويلة أن تنكمش في وعينا حتى تبدو كأنها مرّت في ثوانٍ؟ فيصبح الزمن، الذي كان يوماً ممتداً أمامنا بما يحمله من انتظار وأحلام ومخاوف، ذكرى نستعيدها بشيء من الدهشة والحنين، وربما الأسى؟
في حساب الزمن، تساوي الدقيقة ستين ثانية، وتظل الساعة ساعة بدقائقها الستين، سواء قضيناها في انتظار خبر مفرح، أو في جلسة ممتعة مع أصدقاء، أو في لحظة ألم لا نطيق امتدادها، لكن الحياة تقول شيئاً آخر تماماً. الدقائق ليست متساوية في شعورنا بها، والأيام لا تمرّ في وعينا بالسرعة نفسها. ثمة فرق بين الزمن الذي يمكن قياسه، والزمن الذي نشعر به. الأول تتعاقب وحداته وفق نظام لا يتأثر بمشاعرنا، أما الثاني فيتصل بوعينا، ومشاعرنا، وانتظاراتنا.
ما أكثر ما نستعيد في لقاءات مع أشخاص لهم في القلب مكانة أوقاتاً سعيدة جمعتنا بهم، وحين نسأل في أي سنة كان هذا، سنتذكر أنه كان قبل سنوات، لا بل عقود، لكنها «مرّت زيّ الثواني». شعور لم نختبره ونحن شبان في مقتبل أعمارنا، حيث كنا نشعر بأن الحياة ممتدة أمامنا، وطريقها طويل، ولسنا في عجلة من أمرنا، لكن للعمر منطقه المختلف، هو الذي يجعلنا نقول، وقد تقدّم بنا، ونحن نستعيد أحداثا عشناها: «والله كأنها بالأمس».
نعيش ونكبر ونحن لا نعلم أيّ الأحداث سيحتفظ بها الزمن في ذاكرتنا، وأيّ الأشخاص سيتركون أثراً طويلاً فينا. ولا نعرف ما إذا كانت لحظة عادية اليوم ستصبح، بعد عشرين عاماً أو أكثر، من اللحظات التي نتمنى لو استطعنا العودة إليها. إنه أحد أوجه هشاشتنا الإنسانية: نعيش الحاضر من دون أن نعرف أنه سيصبح ماضياً، ثم ندرك بعض معانيه حين يتحوّل إلى ذكرى فقط. نكون داخل اللحظة، فلا نرى حدودها، وحين نبتعد عنها نراها في صورة مكتملة، لكننا نفقد القدرة على العيش فيها مرة أخرى.
«سنين ومرّت زيّ الثواني» عبارة قيلت في سياق الحب، لكنها تلامس في نفوسنا ما هو أبعد، وأشمل، وأعمق.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة