بعض الرسّامين، أو الفنّانين بعامّة، نجد في داخل الواحد منهم أكثر من شخصية إبداعية، فقد يكون الرسّام شاعراً، وربما يكون ناقداً تشكيلياً في الوقت نفسه، وهناك من الفنانين من يجمع بين التشكيل والرواية أو الكتابة الأدبية، والبعض قد يجمع بين الرسم والموسيقى أو الغناء، غير أن حسن شريف كان حسن شريف ونقطة آخر السطر، لا شيء على الإطلاق في حياته غير الرسم.
لم يزعم يوماً أنه شاعر أو ناقد أو مفكر أو فيلسوف، ولم يكن أباً بيولوجياً أو روحياً أو رومانسياً لأحد، وكان ينفر تماماً من فكرة الأب الروحي في الفن أو في الأدب أو في الحياة، ولذلك، لم تكن له جماعة فنية، ولا له مُريدون وتلاميذ، كان فقط صديقاً لمن يحبه في الحياة وفي الفن، وكان يقيم في ذاته، ولم يستعر طعاماً ولا ثياباً من أحد، ولم يكن يرتدي ما هو أوسع من جسده، كما لم يكن ظلاً لأحد، ويرفض بشدة من يتقمصّ حالة الظل.
فنان مستقل بكل معنى الكلمة، واستقلاليته لم تكن نابعة عن غرور أو كبرياء أو أيديولوجيا، وعند الأيديولوجيا هذه أحب القول إن حسن شريف كان يمقت السياسة، وهو في داخله في خارجه ليس له مثال أيديولوجي أو سياسي، وليس له رمز أو أيقونة، وعلى سبيل المثال ذهب الكثير من الفنّانين إلى رسم «الأيقونة» جيفارا، أو ذهب البعض من الفنانين إلى رسم الرموز: غاندي، عبدالناصر، إلى آخره، لكن حسن شريف كان في غنى ذاتي وثقافي وفكري عن كل هذه الرمزيات السياسية أو الفكرية أو الروحية، فهو في الأصل ليس في حاجة إليها، ولكنه في الوقت نفسه ليس عدوّها.
لا أعداء لحسن شريف إلا أولئك الجهلة والمفرّغون من الثقافة والجمال، ليس له أعداء لأنه يقف دائماً وهو يدير ظهره للجمهور، ومرة ثانية هو كذلك ليس لأنه «سلطة»، بل لأنه يحترم سلطته على ذاته، وفي الوقت نفسه كان لا يسمح لأحد أن يوجّهه، أو يدّله، أو يربت على كتفيه، كان ينفر مثل القط الملدوغ من كل هذه الطبيعة البشرية المنافقة أو الاستخذائية أو الذليلة، كان في كلمة واحدة: سيّد نفسه.
أوّل مرة التقيت فيها حسن شريف كانت في عام 1985، وكان آنذاك قد عاد مؤخراً من دراسته في بريطانيا، كان يقيم في حيّ السطوة الشعبي آنذاك في دبي، وكان يقود سيارة صغيرة بيضاء، وفي أثناء طريقنا من دبي إلى الشارقة وضع كاسيت في مسجلة السيارة يتضمن موسيقى تركية وقد نسيت هوية الأغنية لكنني لم أنس «طعمها» إلى الآن، وكان أوّل انطباع لي عنه ذلك الهدوء، وتلك الأناقة في الهيئة واللبس والمظهر.
على أيّ حال، في ما بعد، يكتفي بالحياة البسيطة تحت الشمس وفي الهواء الطلق، مكتفياً دائماً بالقليل، ولكن ليس عن تصوّف أو تقشف، لا بل كان مُقبلاً دائماً على الحياة بكلّيته الجمالية في ذاته، وبين أصدقائه.
