مفاوضات، تفاهمات، توقيع اتفاق، تراجع عنه، تبادل رسائل مباشرة وغير مباشرة، إشارات تدعو للتفاؤل ثم انتكاسة ثم تهديد بالعودة إلى الحرب. العالم يغلي ويعاني الغلاء وشحاً في الطاقة والمواد التموينية والقلق النفسي، والدولتان ماضيتان في سياستيهما وعنادهما، أمريكا وإيران تتفاوضان كأنهما تعيشان على كوكب غير كوكب الأرض، تناوران بدهاء ومكر وخبث ولا تعطيان الزمن أدنى اعتبار، ولا تفكران بما يحدث أو سيحدث لو اشتعلت حرب شاملة في المنطقة، وقد تمتد للعالم.
ما هي المشاكل العويصة التي عجزت الدولتان عن حلّها، وهل إسرائيل لا تريد النجاح لأي اتفاق، وما هو الموقف الأوروبي من الصراع والمفاوضات؟ لقد طال أمد المفاوضات والحرب والأزمة كأن اتفاقاً أبرم بين الطرفين على الاستمرار في اللعب والتسلية في إطار من العبث المدروس، وإلا ماذا يعني هذا التفاوض المستدام الذي لا ينتهي أبداً، كأنه حلقات مسلسل ممل وتافه. وبعيداً عن اللغة الساخرة والغاضبة نجد أن وسائل الإعلام تتحدث وبجدية عن قضايا رئيسية تتمحور حولها المفاوضات، والإطالة تكمن في الاطمئنان والثقة كعامل بارز في هذه الجولات.
من المعروف أن الحرب نشبت في الأساس بهدف يتمثل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني، وهذا نابع من خشية واشنطن التوصّل إلى تطوير برنامج نووي عسكري تحت ستار البرنامج النووي السلمي، بينما إيران تؤكد أن برنامجها مخصص للأغراض السلمية فقط، طبعاً أمريكا وإسرائيل لا تصدقان هذا الطرح. أما المحور الثاني فيتعلّق بالعقوبات الاقتصادية، إذ فرضت أمريكا عقوبات واسعة على إيران تستهدف اقتصادها، خاصة قطاع النفط والبنوك، وما زالت إيران تطالب برفع هذه العقوبات مقابل تحجيم نشاطاتها النووية.
أما الموضوع الثالث فهو الثقة والالتزامات، إذ يشعر المجتمع الدولي والمحللون أن هناك نقصاً في الثقة بين الطرفين بسبب الخروج من الاتفاق النووي عام 2018. فإيران تشتكي من فشل الولايات المتحدة في تنفيذ تعهداتها، وأمريكا تشكك في نوايا إيران. ويتمثّل المحور الآخر في النفوذ الإقليمي، فأمريكا متخوّفة من نفوذ إيران في الشرق الأوسط عبر دعم جماعات مسلحة في دول مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن، بينما إيران تعتبر هذا جزءاً من سياستها الدفاعية والإقليمية.
هل تلعب إسرائيل دوراً سلبياً؟ وهل هي المسؤولة عن فشل المفاوضات؟ سؤال يطرحه محلّلون كثيرون في السر والعلن، فإسرائيل تنزعج من أي اتفاق قبل معرفة محتواه، كأنها تريد لهذه الحرب أن تستمر إلى الأبد، فهي ترى في إيران تهديداً وجودياً بسبب برنامجها النووي ونفوذها الإقليمي. وتخشى أن تمكن أي اتفاقية إيران من الاقتراب من حيازة سلاح نووي، ما قد يغير ميزان القوة في المنطقة ضد إسرائيل.
وتعارض إسرائيل رفع العقوبات عن إيران قبل أن تتخذ طهران خطوات جدية لوقف برنامجها النووي، وكذلك على إيران أن تتوقف عن دعم الجماعات المسلحة مثل حزب الله وحماس والحوثيين، وهي أمور صعبة التحقّق. كما ترى إسرائيل أنه يجب ردع إيران بالقوة لمنعها من التسلّح نووياً. ومن أجل كل ذلك، تمارس إسرائيل الضغط على الولايات المتحدة، لصياغة اتفاق نووي أكثر صرامة، يجبر إيران على تقليص نشاطاتها النووية والسياسية في الشرق الأوسط.
ويبدو أن كل تلك المطالب والمواقف قد تتغير بين لحظة وأخرى، فرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أعلن قبل يومين أن إسقاط النظام الإيراني هو الضمانة الأكيدة للتخلص من تهديدات إيران.
أما بالنسبة لموقف الاتحاد الأوروبي من المفاوضات، فيميل إلى دعم استئناف الاتفاق النووي واحتواء النزاع، وبشكل عام، فإن الاتحاد الأوروبي يدعم الاتفاق النووي الأصلي، وتتفق معظم دوله مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا، على دعم الاتفاق النووي الذي تم توقيعه عام 2015، وترى فيه أفضل طريقة لمنع إيران من تطوير سلاح نووي عبر آليات المراقبة والشفافية.
ولهذا تميل الدول الأوروبية إلى الدبلوماسية والتهدئة وأهمية الحوار، وترفض التصعيد العسكري أو العقوبات الجديدة التي قد تزيد من التوتر في المنطقة. وتنبع هذه المواقف الأوروبية من حماية مصالحهم الاقتصادية، لهذا فإن الموقف الأوروبي يسمح برفع العقوبات تدريجياً في إطار اتفاق شامل ومتوازن يسمح بإعادة العلاقات الاقتصادية والتجارية مع إيران.
ورغم كل ما تقدّم، فإن الدول الأوروبية قلقة من النشاط الإيراني الإقليمي، خاصة نشاط إيران في الشرق الأوسط الذي تعتبر أنه يخل بالاستقرار، وتدعو إلى معالجة هذه القضايا ضمن المفاوضات الأوسع، ولهذا فإنها تنسّق مع الولايات المتحدة بشكل وثيق، لتحقيق تفاهم مشترك حول شروط العودة إلى الاتفاق النووي وتجنب التباينات الكبرى.
هي المحاور ذاتها، والهواجس ذاتها، وعدم الثقة ذاته التي تعوق نجاح المفاوضات، فهل العودة إلى اتفاق 2015، كما ينشد الأوروبيون هي الحل، أم الحرب هي الحل بغض النظر عن أهدافها وحماقتها؟
