الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

من مكة إلى إسطنبول... اتفاقات تتسع وأمن يضيق

26 أكتوبر 2026 00:09 صباحًا | آخر تحديث: 26 أكتوبر 2026 00:09 صباحًا
دقائق القراءة - 3
شارك
share
ليست كل المظلات التي تتسع للحلفاء قادرة على حمايتهم، ولا كل الموائد التي تجمع المختلفين قادرة على توحيدهم. فقد تتصافح الأيدي فيما تتباعد المصالح، وقد تتقاطع المخاوف حيث تعجز التحالفات عن الالتقاء. وبين حليف يملك القوة ولا يمنح الطمأنينة، وشريك لا يملك الضمان لكنه يعرض التعاون، تبدأ الدول إعادة حساب المسافة بين ما تملكه من علاقات، وما تحتاج إليه من أمن.
في قصر تشيران سراي المطل على البوسفور، اجتمع وزراء خارجية ثماني دول، أربع إقليمية هي تركيا والسعودية ومصر وباكستان، وأربع أوروبية هي ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا. استضافهم وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، بمبادرة مشتركة مع نظيره الألماني يوهان فاديفول، الذي طلب مشاركة إيطاليا في الاجتماع. هكذا اتسعت الطاولة، لا لأن المصالح أصبحت واحدة، بل لأن الأزمات لم تعد تقبل المعالجة منفردة.
ولعل المقعد الأكثر إثارة للأسئلة كان المقعد الذي لم يكن موجوداً: المقعد الأمريكي.
لم تذهب أوروبا إلى إسطنبول ترفاً دبلوماسياً. فاضطراب الخليج لم يعد أزمة شرق أوسطية ذات انعكاسات أوروبية، بل أزمة اقتصادية تصل إلى الداخل الأوروبي مباشرة.
في الأحوال الاعتيادية، يمر عبر هرمز نحو خُمس النفط المستهلك عالمياً، وتعبر باب المندب شريحة تتراوح بين 12 و15% من التجارة البحرية العالمية. وحين تضطرب هذه الشرايين، لا ترتفع كلفة الشحن وحدها، بل تمتد إلى الطاقة والغذاء والأسمدة والإنتاج. وفي قارة أنهكتها الضغوط المعيشية واحتجاجات الشوارع، يصبح أمن الملاحة شأناً اجتماعياً بقدر ما هو استراتيجي. فالاقتصاد الذي يتلقى الصدمة من الخارج قد يجد ارتداداتها السياسية في الداخل.
أما الدول الإقليمية الأربع، فتحمل إلى الطاولة هواجس أشد التصاقاً بجغرافيتها. فالسعودية تواجه اعتداءات تطول أمنها ومنشآتها، ومصر تدفع ثمناً اقتصادياً لاضطراب البحر الأحمر، وباكستان توسع دورها في الوساطة، فيما تسعى تركيا إلى تحويل موقعها وعلاقاتها المتشعبة إلى قدرة على إدارة الأزمات.
وهنا تظهر أولى مفارقات إسطنبول: لم تتطابق دوافع الدول، لكنها التقت عند المخاوف التي تتشاركها.
وقد كشف البيانان الصادران عقب الاجتماعات حدود هذا الالتقاء. فالبيان الموسع دعا إلى خفض التصعيد والحلول التفاوضية، وبحث الصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران، والقضية الفلسطينية وحل الدولتين، والهجمات الحوثية وأمن الملاحة. أما بيان الدول الإقليمية الأربع، فذهب أبعد في إدانة الاعتداءات على السعودية، والمطالبة بوقف الهجمات على السفن، واستعادة حرية العبور عبر هرمز، ودعم التسوية التفاوضية.
ليست هذه الفروق مجرد اختلاف في الصياغة؛ إنها تكشف أن الاتفاق على ضرورة الاستقرار أسهل من الاتفاق على أدوات صناعته، وأن الإجماع على رفض الحرب لا يعني بالضرورة الإجماع على كيفية منعها.
وتزداد المفارقة وضوحاً عند استحضار اتفاق مكة الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان. فقد نص على اعتبار الاعتداء على أحد الأطراف اعتداء على الجميع، ومع ذلك لم تتوقف الهجمات الحوثية. والأكثر دلالة أن وزير الدفاع التركي يشار غولر استبعد دخول قوات بلاده في مواجهة مع الحوثيين، محدداً الغاية من الدعم المحتمل بتعزيز الردع، فيما لا يزال الاتفاق ينتظر استكمال تصديق البرلماني التركي. واستبعاد القتال المباشر لا ينفي إمكان تقديم حماية دفاعية، لكنه يجعل تحديد أدوات المساعدة وحدودها اختباراً لمضمون الالتزام.
وهنا يتجاوز السؤال عدد التحالفات إلى طبيعتها: ما قيمة الالتزام الدفاعي إن اختلف الحلفاء في تفسير التهديد وحدود الاستجابة له؟ فالردع ليس وعداً مكتوباً، وإنما اقتناع الخصم بأن للوعد ثمناً إذا اختبره.
لكن إسطنبول لا تقدم اتفاقاً دفاعياً آخر، وإنما تحاول معالجة البيئة السياسية التي تتوالد فيها التهديدات. وهذا اختلاف جوهري بين تحالف يستعد لمواجهة الخطر، وتنسيق يسعى إلى منع اتساعه.
ولعل إعلان عقد الاجتماع المقبل في ألمانيا يمنح التجربة معنى إضافياً. فانتقال المبادرة من ضفاف البوسفور إلى قلب أوروبا يختبر قدرتها على الاستمرار خارج حسابات المضيف الأول.
ثمة عالم يتغير دون أن يعلن نهاية العالم الذي سبقه. أمريكا لم تغادر، والتحالفات لم تسقط، لكن الثقة بقدرتها المنفردة على توفير الطمأنينة لم تعد من المسلّمات.
ولذلك قد لا تكون إسطنبول ولادة حلف جديد، بل بداية مراجعة لمعنى الحليف نفسه؛ حين تدرك الدول أن كثرة الأصدقاء لا تعني وفرة الأمان، وأن قوة المظلة لا تُقاس باتساعها، بل بما توفره من حماية ساعة العاصفة.
فبين إسطنبول وألمانيا، لن يكون الامتحان في عدد الأيدي التي تصافحت، وإنما في مقدار الأعباء التي ستتحملها تلك الأيدي معاً. ذلك أن الدول تستطيع أن تتقاسم الخوف دون اتفاق، لكنها لا تستطيع أن تتقاسم الأمن دون التزام.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة