لا شك أن التقنيات الحديثة والتطويرات المستمرة حتى دخولنا لحقبة الذكاء الاصطناعي جعلت كثيراً من المعلومات في متناول اليد، وجعلت ما كان بالأمس معارف نخبوية تتعلق بالباحثين والدارسين عاماً وفي متناول الجميع. هذا التطور فتح آفاقاً واسعة أمام الجميع، وجعل المعرفة والمعلومات متاحة وبين يدي كل من هو مهتم، ومن هنا باتت المنافسة أكثر عدلاً ووضوحاً، فمن يستطيع تطوير نفسه، والاستناد إلى المعارف والمعلومات، والتدرب على آخر التقنيات وما يحتاجه العصر الراهن، هو من سيحقق السبق والتفوق، وسيكون التميز من نصيبه.
اختزال المعلومة، أو كتمها أو محاولة إخفائها، لم يعد ممكناً أمام هذا الاتساع في فضاء العلم والمعلومات التي تحملها شبكة الإنترنت، أيضاً الحصول على ما تحتاجه في أي مجال علمي لم يعد محصوراً في النخب العلمية في الجامعات أو الأقسام ذات العلاقة، بل محصور فيك أنت، وفيما تبذله من جهد وسعي، والساحة أمام الجميع، فمن يريد دورات مهنية أو معرفية مباشرة أو غير مباشرة، أو يريد معلومات مكتوبة، أو غيرها من القوالب التي تحمل الثقافة والمعرفة، فإنها متاحة للجميع.
بل إن قيمة السؤال تضاءلت، نعم، السؤال الذي كان مفتاحاً لباب من الدهشة والانتظار تراجع دوره أمام سهولة الحصول على أي إجابة وبدقة أكبر مما كان عليه الوضع سابقاً. ومع هذا، فإنه يجب التنبه لنقطة مهمة وهي أن الإجابات التي نتلقاها من محركات البحث أو من تطبيقات الذكاء الاصطناعي قد تكون مختزلة فيها المعرفة، تعطيك أرقاماً وبيانات، وتعطيك التاريخ بالضبط لحدث وقع، أو تعطيك اسماً لمؤلف، أو تعطيك نسبة عن ظاهرة، وغيرها، لكنها ستكون عاجزة عن إعطائك الحكمة، أو بمعنى أدق الرؤية الإنسانية.
أستطيع تلخيص هذا في أن ما نحصل عليه من معلومات في هذا العصر يجعلنا وكأننا مستهلكون للنتائج ولسنا باحثين عن المعنى، وهنا فرق واسع بين الاثنين. كما أن سهولة الحصول على بعض المعلومات المهمة والثمينة جداً جعلت منها معلومات اعتيادية عند البعض، وهو ما قد يجعل التعامل معها سطحياً وغير جاد.
التقنيات الحديثة والتطورات المتلاحقة والمستمرة في هذا المجال تنمي العلم وتطور الحركة المعرفية للبشرية، لكن في اللحظة نفسها، يجب علينا التطور معها، والتنبه للجوانب البشرية المنوطة بنا في كل عصر وزمن.
