الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

عاطفة تواجه الاستبدال السريع

21 أكتوبر 2026 00:03 صباحًا | آخر تحديث: 21 أكتوبر 2026 01:31 صباحًا
دقائق القراءة - 2
شارك
share
في كل بيت من بيوتنا، هناك بعض المقتنيات المهملة في إحدى الزوايا، يرى بعضهم أنها خردة يُفترض رميها لتواضع قيمتها والزهد فيها وقدمها، مثل ساعة يد متوقفة عقاربها عن الحركة، أو قلم حبر جف وتقشر طلاؤه الخارجي، أو راديو عمره بضعة عقود، تعلوه الأتربة منسياً في المخزن، أو قطعة من قماش أو أثاث، مضت عليها سنوات. وعند ترتيبنا لذلك المخزن أو لتلك الدواليب، ومصادفةً نجد هذه المقتنيات، فلا نتخلص منها، ولا نفرغ المكان؛ لأن هناك عاطفة داخلية تحترم ذلك القديم، لا نحتاج إليه لكن البعض لا يستعجل في التخلص منه، ليس لأنها ثمينة ولا لأنه قد تتم الحاجة لها مستقبلاً، بل هو شعور داخلي وعاطفة نحوها ولا أكثر.
في الجهة المقابلة، وبحكم طبيعة العصر الذي نعيشه، توجد فلسفة أو مفهوم يسمى بثقافة الاستبدال السريع، هذه الثقافة نمت من خلال الأسواق الكثيرة والإعلانات المباشرة وغير المباشرة، التي تحث على الشراء والتخلي الفوري عن كل ما يتعطل أو كل ما يتقادم، وهذه ملاحظة في تغيير أجهزة الهواتف التي نحملها بشكل دوري. بعضهم خلال العام الواحد يغير ثلاثة أجهزة، توجد حالة من التغيير للنسخ الأحدث، أو الطرز الجديدة في معظم السلع من القطع المنزلية إلى السيارات إلى الأثاث ولا ننسى الأزياء والملابس والأحذية، وغيرها الكثير من السلع والأغراض التي نقوم بشرائها بشكل متكرر، فنرمي القديم ونستبدله بالجديد.
أما إذا تجاوزنا حاضرنا وانتقلنا نحو الآباء والأجداد، فإننا سنجدهم بثقافة مختلفة تماماً، فما كانوا يشترونه يبقى، وإذا تعطل يبادرون إلى إصلاحه، ومفهوم التخلي والرمي لم يكن في قاموسهم، تجدهم يرممون الخشب، يرتقون القماش، ويشحذون الأدوات ويجددونها، وهذا لا يتعلق بالشح في الموارد أو لقلة المال، بل كان لديهم تقدير وعرفان لما بين أيديهم من أدوات؛ لذا لم تكن القطعة التي تُرمّم تفقد قيمتها، بل على العكس تتواصل الفائدة منها. في اليابان لديهم ثقافة عريقة تسمى «الكينتسوجي»، حيث يُعاد لصق الفخار المكسور بماء الذهب؛ لأنهم يؤمنون بأن الكسور والندوب تزيد الجمال، وليست عيباً يجب إخفاؤه أو استبداله.
لقد تسللت إلينا عادة سهولة الاستغناء عن المقتنيات، وأكثر ما أخشاه أن تتسلل هذه العادة أيضاً إلى علاقاتنا الإنسانية؛ لأن من اعتاد رمي مقتنياته واستبدالها بعد مضي عدة أشهر، يُخشى أن يصبح نافد الصبر على طباع المقربين منه.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة