ليس كل من آذانا أراد لنا الأذى، وليس كل من أحبنا عرف كيف يحبنا، فبعض الجراح لا تأتي من يدٍ امتدت لتضرب؛ بل من يدٍ امتدت لتساعد، لكنها لم تسأل أولاً: أين موضع الألم؟ ولعل أقسى ما في هذه الجراح أن أصحابها ينامون مطمئنين إلى نقاء نواياهم، فيما يظل من أحبّوهم مستيقظين على وجع آثارها.
أبٌ يختار لابنه تخصصاً لم يختره، لا لأنه يكرهه؛ بل لأنه يحمل حلماً أخفق في تحقيقه، فرأى في ابنه فرصة ثانية لحياة لم يعشها. يظن أنه يفتح له أبواب المستقبل، بينما يغلق أمامه باب الاختيار. لا يرى في عينيه حلماً مختلفاً، لأنه مشغول بالنظر إلى حلمه القديم. وهكذا قد يرث الأبناء أحلام آبائهم كما يرثون أسماءهم، لكنهم لا يرثون بالضرورة رغبتهم في عيشها.
وحبيب يرسم للعلاقة حدودها وإيقاعها ومداها، ثم يدعو شريكته إلى السكن في الصورة التي رسمها. لا يسألها كيف تريد أن تُحب؛ بل يفترض أن ما يطمئنه سيطمئنها، دون اكتراث لرغبتها وهواجسها وطموحها، والمبرر دائماً أنه أحبها، لكنه لم يكن يتفاوض معها على حياة مشتركة؛ بل كان يتفاوض مع نفسه، ثم يطلب منها التوقيع على ما قرره وحده.
وليست الحكاية حكاية أب أو حبيب؛ بل حكايتنا جميعاً. كم مرة قدمنا النصيحة ونحن نطلب الطاعة؟ وكم مرة سمّينا خوفنا حرصاً، ورغبتنا وصاية باسم المحبة؟
هنا تكمن المفارقة: قد تكون النية صافية، لكن الصفاء لا يمنع الأثر من أن يكون غائراً.
ولعل أخطر ما في النوايا الحسنة أنها تمنح أصحابها يقيناً أخلاقياً يغنيهم عن مراجعة أنفسهم؛ فمن يظن أنه يفعل الخير، قلّما يسأل إن كان خيره قد أثقل قلباً أو صادر إرادة. وثمة فرق أن تكون مسؤولاً عن سعادة من تحب، وأن تتوهم أنك المسؤول عن تعريف السعادة نيابة عنه. وفي تلك اللحظة، لا يصبح السؤال: كم نحب؟ بل كم من الحرية نستطيع أن نترك لمن نحب دون أن نشعر أن محبتنا انتقصت؟
وما أصعب أن يضطر الإنسان إلى الدفاع عن حريته أمام من يحب، وأن يبدو رفضه للوصاية جحوداً، ومطالبته بحقه في الاختيار عقوقاً أو نكراناً للمحبة، فأعظم ما قد تمنحه المحبة ليس أن تصنع للآخر جناحين ثم تختار له السماء؛ بل أن تؤمن بحقه في التحليق، دون كسر أجنحته، تحت قيد المحبة.
