الذهب عاد لتصدر الأحاديث من جديد، وربما أكثر من أي وقت مضى. فبعد موجة صعود تاريخية دفعت أسعار المعدن الأصفر إلى مستويات قياسية، دخل الذهب مرحلة من التصحيح والتذبذب، ليغلق عند نحو 4,010 دولارات للأونصة القياسية في تاريخ 23/10/2026.
هذا التراجع أعاد السؤال الذي يشغل المستثمرين والأسواق: هل انتهت موجة الصعود، أم أن الذهب يستعد لجولة جديدة قد تدفعه إلى مستويات قياسية أخرى؟
التوقعات ليست موحدة. فبعض البنوك العالمية بات أكثر تحفظاً بشأن قدرة الذهب على المحافظة على مستوياته المرتفعة، في حين لا تزال مؤسسات مالية أخرى ترى أن العوامل الأساسية التي دعمت صعود الذهب لم تختفِ، وإنما تواجه ضغوطاً مؤقتة. واللافت أن معظم الاختلاف بين هذه التوقعات يرتبط بالمدى القصير، بينما تظل النظرة إلى الذهب على المدى الأطول إيجابية نسبياً.
في تقديري، فإن قراءة مستقبل الذهب من خلال حركة الأسعار الحالية فقط قد تكون مضللة. فالذهب لا يتحرك بمعزل عن الاقتصاد العالمي، وإنما يتأثر بمجموعة واسعة من المتغيرات، تبدأ بأسعار الفائدة والتضخم ولا تنتهي بالسياسة النقدية والديون السيادية والمخاطر الجيوسياسية.
وأرى أن هناك ثلاثة عوامل رئيسية يمكن أن تعيد دعم الذهب خلال الفترة المقبلة.
أولها تراجع أسعار النفط: قد يبدو انخفاض النفط للوهلة الأولى عاملاً سلبياً للذهب، باعتبار أن تراجع الطاقة قد يؤدي إلى انخفاض التضخم. إلا أن انعكاساته على السياسة النقدية قد تكون أكثر أهمية، فاستمرار انخفاض أسعار النفط يمكن أن يخفف الضغوط التضخمية المباشرة ويمنح البنوك المركزية مساحة أكبر للتحرك نقدياً إذا استدعت الظروف الاقتصادية ذلك.
وهنا تكمن أهمية أسعار الفائدة، فالذهب، الذي لا يدر عائداً دورياً، يستفيد عادة من انخفاض تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ به عندما تتجه أسعار الفائدة إلى الانخفاض.
العامل الثاني هو انتهاء الانتخابات الأمريكية النصفية: فالانتخابات الأمريكية لا تؤثر فقط في السياسة، بل تمتد انعكاساتها إلى الأسواق والإنفاق الحكومي والسياسة المالية والتوقعات المتعلقة بالدين والعجز. ومع انتهاء الانتخابات النصفية، يمكن أن تبدأ الأسواق في تسعير المرحلة التالية بصورة أكثر وضوحاً، خصوصاً فيما يتعلق بالسياسات الاقتصادية والمالية الأمريكية.
أما العامل الثالث، وربما الأكثر أهمية في رأيي، فهو التضخم. فالتضخم يعيد الذهب إلى الواجهة: حتى إذا تراجع التضخم عن المستويات المرتفعة التي شهدها العالم خلال السنوات الماضية، فإن ذلك لا يعني بالضرورة عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة. فالتضخم التراكمي يعني أن القوة الشرائية للنقود قد تراجعت، ولذلك سيستمر المستثمرون في البحث عن أصول ملموسة يمكن أن تساعدهم في الحفاظ على قيمة ثرواتهم.
وهنا يبرز الذهب، فالذهب ليس مجرد معدن ثمين أو أداة للمضاربة على الأسعار، وإنما يمثل بالنسبة لكثير من المستثمرين أصلاً للتحوط من التضخم والمخاطر المالية والجيوسياسية.
ومع ارتفاع مستويات الدين الحكومي في الاقتصادات الكبرى، فإن المخاوف بشأن الاستدامة المالية قد تشكل عاملاً إضافياً يدعم الطلب على الذهب.
ومن أهم عناصر المعادلة استمرار البنوك المركزية في شراء الذهب. فالبنوك المركزية.. لاعب لا يمكن تجاهله.
فهذا الطلب يختلف عن الطلب للمضاربة قصير الأجل، إذ يعكس في جزء منه توجهاً استراتيجياً لتنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على أصل أو عملة واحدة. ومع استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي والاقتصادي، يبدو من المنطقي أن يحتفظ الذهب بمكانته ضمن احتياطيات البنوك المركزية. وهذا عامل يمنح السوق قاعدة طلب هيكلية لا يمكن تجاهلها.
5000 دولار... هل هو رقم واقعي؟ هنا أصل إلى توقعي الشخصي:
أعتقد أن الذهب لديه القدرة على العودة إلى مستوى 5000 دولار للأونصة بنهاية العام.
ولا أبني هذا التوقع على عامل واحد، وإنما على تفاعل مجموعة من العوامل: تراجع محتمل في أسعار النفط، وانتهاء الانتخابات الأمريكية النصفية، وتطورات السياسة النقدية، واستمرار المخاوف التضخمية، إلى جانب استمرار مشتريات البنوك المركزية والقلق من ارتفاع مستويات الديون الحكومية.
وقد يبدو مستوى 5000 دولار مرتفعاً مقارنة بالسعر الحالي البالغ نحو 4,010 دولارات، لكن علينا أن نتذكر أن الأسواق المالية لا تسعّر الحاضر فقط، وإنما تسعّر المستقبل وتوقعات المستثمرين بشأن ما سيحدث في الاقتصاد والسياسة النقدية والتضخم.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل الذهب مرتفع الآن؟
بل: هل الأسباب التي دفعت الذهب إلى الصعود ما زالت موجودة؟
وفي رأيي، الإجابة نعم.
التصحيح لا يعني بالضرورة نهاية الصعود
من الطبيعي أن يشهد الذهب تصحيحات قوية بعد موجات الارتفاع الكبيرة. بل إن التصحيح قد يكون ضرورياً لإعادة بناء الزخم وإخراج المضاربين قصيري الأجل من السوق.
ولهذا، فإن انخفاض الذهب إلى حدود 4010 دولارات لا يعني بالضرورة أن الاتجاه الصاعد قد انتهى.
قد نشهد مزيداً من التذبذب، وقد تتراجع الأسعار إلى مستويات أدنى قبل أن تستعيد اتجاهها الصاعد. لكن إذا استمرت العوامل الأساسية الداعمة للذهب، فإن المستويات المرتفعة قد تعود إلى المشهد من جديد.
وفي النهاية، يبقى الذهب أحد أهم الأصول التي تلجأ إليها الأسواق عندما ترتفع مستويات عدم اليقين.
أما توقعي، فهو أن رحلة الذهب لم تنتهِ بعد، وأن مستوى 50000 دولار للأونصة قد يكون هدفاً قابلاً للتحقق بنهاية العام، إذا اجتمعت الظروف الاقتصادية والنقدية التي أتوقعها.
وبالطبع، يبقى هذا تحليلاً وتوقعاً شخصياً وليس توصية بالشراء أو البيع، فالأسواق قادرة دائماً على مفاجأة أكثر المتفائلين وأكثر المتشائمين. الذهب قد يتراجع اليوم، لكنه في رأيي لم يقل كلمته الأخيرة بعد.
* مستشار في الأسواق المالية والحوكمة والاستدامة
