الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

محمد العلي

30 أكتوبر 2026 00:03 صباحًا | آخر تحديث: 30 أكتوبر 2026 00:03 صباحًا
دقائق القراءة - 2
شارك
share
أعادني غياب محمد العلي إلى حضوره اليومي في جريدة اليوم في الدمّام في مطلع الثمانينات، وتحديداً بين عامي 1982 و1983، حين كنت أعمل في الجريدة آنذاك بين كوكبة من الأصدقاء الشعراء والقصّاصين والصحفيين الأجمل في حياتي المهنية والشخصية: عبد العزيز مشري، علي الدميني، محمد الدميني، صالح العزّاز، مطلق العنزي، عبد الرؤوف الغزال، عتيق الخّماس، وغيرهم من مثقفي وكتّاب تلك المرحلة الثمانينية التي شهدت الكثير من التجاذبات والجدليات الثقافية النقدية بين جهتين، ولا أريد استخدام كلمة تيارين فكريين مختلفين في الرؤية إلى مفهوم الحداثة والتراث آنذاك، وكان محمد العلي في قلب تلك الحيوية الثقافية في السعودية، ودائماً بحضوره الهادئ الأنيق، الحضور الجدلي المنطقي دائماً من دون عصبية أو تعصب، ومن دون استفزازية أو انفعالية، ولذلك، كان له دائماً كلمته الوازنة الإقناعية في الرأي والرؤية والجدل.
كان يكتب عموداً قصيراً يومياً في الجريدة، لكنه كان مكثفاً بكلماته القليلة، مبنياً دائماً على المعلوم الثقافي الفكري لا المجهول التنظيري الإنشائي، وقد تعلمت منذ شبابي ذاك في الدمّام من لغة ودلالات وإشارات محمد العلي، وأحببته.
كنت آتي إلى الجريدة بعد الظهر، حيث كنت أعمل صباحاً في حقل التدريس، وأمضي الوقت إلى المساء في ذلك المبنى العزيز الحميم بالقرب من محطة للقطار كانت سكّتها من الدمام إلى الرياض، ويعود الفضل في إدخالي عملياً ومهنياً إلى الصحافة إلى صالح العّزاز الذي أشار عليّ أن أنتقل من تبوك إلى الدمام، لأعمل في جريدة «اليوم»، وكان العزاز، رحمه الله، آنذاك مديراً للتحرير.
أخذت «آكل» مقالات محمد العلي، وأعود دائماً إلى مرجعيات كل مقالة وأنا في نحو السادسة والعشرين، وانفتحت على قراءات في الفكر والأدب والفلسفة (كانت الموضة الفكرية آنذاك كولن ولسون)، لكن رؤية محمد العلي الثقافية أخذتني إلى ضرورة قراءة التراث، ولكي تكون معاصراً أو مستوعباً لثقافة الحداثة، لا بدّ أن تقرأ تراثك وتهضمه تماماً، وتبحث عن جمالياته وأعماقه الفنية والفلسفية، وبالتالي تستطيع الدفاع عن رأيك الثقافي بموقف ورؤية، لا بانفعال وتهوّر ومبالغة.. هكذا كان محمد العلي نقطة مضيئة في الصحافة الثقافية السعودية والخليجية.
محمد العلي، له كاريزما نقدية، وهو شاعر انتقائي، قليل الشعر لكنه كبير المعنى، رجل محب للحياة، ابن بيئة ثقافية هي الأغنى في الثقافة العربية، حيث درس في العراق في فترة روّاد الحداثة الشعرية العربية، وكان السياب نموذجه الشعري الغنائي الكبير.
سأفتقد محمد العلي، كان جميلاً ورائعاً في ثقافته، وكتاباته، وشخصيته الغنائية الشعرية.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة