الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

في الصراع الحقيقي والصراع الزائف

3 نوفمبر 2026 00:01 صباحًا | آخر تحديث: 3 نوفمبر 2026 00:01 صباحًا
دقائق القراءة - 3
شارك
share
امتلأ التاريخ ولا يزال بصور متعددة من الصراعات بين البشر أفراداً وجماعات ودولاً. ومن الصعب على العقل وهو يرصد تاريخ الصراع أن يتصور نهايته. والأمثلة لا تعد ولا تحصى. وعندي بأن المدخل القيمي على غاية كبيرة من الأهمية لتمييز الصراعات الزائفة من الصراعات الحقيقية.
إن أي صراع بين المتشابهين في الماهية هو صراع زائف، لأنه لا يثمر جديداً متجاوزاً. فالمتشابه لا ينفي المتشابه، بل يعيد إنتاجه بصورة أخرى، وانتصار أحد المتشابهين على الآخر لا جديد فيه.
فصراع مستبد مع مستبد على السلطة صراع زائف، لأن انتصار أحدهما لا يعني انتصار الحرية على الاستبداد، بل انتصار مستبد على مستبد. وصراع فاسدين على الثروة والنفوذ لا ينتج نزاهة، بل يعيد توزيع الفساد. وصراع جماعتين متعصبتين لا يقضي على التعصب، وإنما يحدد أيّ التعصبين سيكون أقوى.
أما صراع الحرية مع الاستبداد، والنزاهة مع الفساد، والعقل مع الخرافة، فهو صراع حقيقي لأن طرفيه لا ينتميان إلى ماهية واحدة.
فالطائفي الذي يقاتل طائفياً آخر لا يقاتل الطائفية، بل يقاتل من أجل طائفيته. والقومي المتعصب الذي يصارع قومياً متعصباً آخر لا يصارع التعصب القومي، بل يريد الانتصار لتعصبه الخاص. والمتدين المتعصب الذي يحارب متديناً متعصباً من دين آخر لا يخوض صراعاً ضد التعصب، وإنما يخوض صراعاً من داخله.
أما الصراع الحقيقي فهو بين المتحرر طائفياً والمتعصب طائفياً وبين العقد الاجتماعي الوطني والسلطة الطائفية المنبتّة. فهذا صراع بين ماهيتين مختلفتين، وقد يقود إلى تحقيق مجتمع غير طائفي وسلطة غير طائفية. وهذا هو التجاوز: ألا يحل طرف من الماهية نفسها محل طرف آخر، بل أن تزول الماهية القديمة نفسها لمصلحة ماهية جديدة.
فإذا أسقطت طائفةٌ سلطةَ طائفة أخرى وأقامت سلطتها مكانها، فقد تغير الحاكم ولم تتغير ماهية الحكم. أما إذا انتقل المجتمع من سلطة تقوم على الانتماء الطائفي إلى سلطة تقوم على المواطنة والعقد الاجتماعي، فنحن أمام تجاوز حقيقي.
إن الصراع بين شرَّين، الذي لا ينتج عنه إلا انتصار الشر، صراع زائف. ولهذا يصبح الخيار هنا، عند بعض الناس، مؤسساً على مبدأ «اختيار أهون الشرَّين». غير أن اختيار أهون الشرَّين يظل اختياراً لشر، وإن كان أقل شراً. فاختلاف مقدار الشر لا يغيّر ماهيته.
فقد تتصارع قوتان عاجزتان عن فهم الواقع، فتستنزف كل منهما الأخرى، وينتهي صراعهما بزوالهما معاً. وقد تتصارع سلطتان متشابهتان في العمى عن حركة المجتمع، فتفتحان، من حيث لا تريدان، الطريق أمام قوة جديدة لم تكن طرفاً في صراعهما.
وهنا يكون التاريخ أكثر مكراً من إرادة المتصارعين: يريد كل واحد منهما إزالة الآخر، فإذا بالصراع يزيلهما معاً.
ليس هناك صراع بين حقَّين، فالحق لا يضاد الحق. وإذا بدا لنا أن حقاً يصارع حقاً، فعلينا أن نفتش في تعيين كل حق وحدوده وشروط تحققه. أما الصراع الحقيقي فهو بين الحق واللاحق، وبين الحق والباطل. وبالتالي فإن الصراع الحقيقي هو كفاح أصحاب الحق ضد سالبي الحق.
فحق الإنسان في الحرية لا يناقض حق إنسان آخر في الحرية. وحق الإنسان في الكرامة لا يناقض كرامة غيره. وإنما يظهر الصراع حين تتحول حرية شخص إلى سلب حرية الآخر، أو تتحول مصلحة جماعة إلى إنكار حقوق جماعة أخرى.
فالحق الذي لا يواجه من يسلبه يتحول إلى مجرد إعلان أخلاقي عن حق، فيما سالب الحق يحوّل قوته إلى واقع.
ومن هنا فإن صراع العبد من أجل حريته مع سيد يريد إبقاءه عبدًا صراع حقيقي. وصراع المرأة من أجل حريتها مع من يريد إبقاءها في مرتبة أدنى صراع حقيقي. وصراع المواطن من أجل حقوقه مع سلطة تسلب هذه الحقوق صراع حقيقي. وصراع المسلوبة أرضه مع سالبها صراع حقيقي، وفي هذه الحالات لا يتصارع حقان، بل يتصارع الحق مع سلب الحق.
فالقول بحرية الإنسان لا يحرر إنساناً إذا لم تتحول الحرية إلى قوة اجتماعية وقانونية وسياسية تحميها. والقول بالمساواة لا يزيل التمييز إذا لم يتحول إلى قانون ومؤسسات ووعي قادر على منع التمييز. والحقيقة التي تعرف نفسها ولا تمتلك قوة الدفاع عن حضورها قد تهزمها الأكذوبة زمناً إذا امتلكت الأكذوبة أدوات القوة.
لكن القوة التي تعاند العقل والواقع تحمل في داخلها إمكان هزيمتها. فقد تستطيع السلطة بالقوة أن تمنع ظهور التناقض، لكنها لا تستطيع بالقوة أن تلغي التناقض نفسه. وهكذا، فليست كل مواجهة صراعاً حقيقياً، وليس كل انتصار تجاوزاً. معيار الصراع الحقيقي هو قدرته على إنتاج المختلف المتجاوز نحو الأحسن، لا إعادة إنتاج الأسوأ نفسه في صورة جديدة.
ولهذا يجب ألا نسأل فقط: مَن ذا الذي انتصر؟ بل يجب أن نسأل السؤال الأهم: ما هي ماهية الانتصار؟
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة