مطلع القرن الماضي، كانت إفريقيا ساحة تنافس بين قوى الاستعمار الغربي، الأوروبي تحديداً، حينها. وكان الاهتمام الاستعماري بالقارة السمراء أساساً لاستغلال مواردها، ليس فقط خيرات الأرض من زراعة ومعادن وإنما أيضاً من البشر باستغلالهم عبيداً في مشروعات الإمبراطوريات الأوروبية.
دارت دورات الزمن، وتحررت الدول من الاستعمار العسكري المباشر لكن بناء دولة ما بعد الاستقلال لم يكتمل بشكل سليم في أغلب الأحيان. وظلت إفريقيا ساحة لتنافس القوى الخارجية ذات المصلحة. المثير أن الاهتمام بإفريقيا لم يختلف في جوهره رغم اختلاف الأشكال. فالعين دوماً على مواردها الطبيعية والسعي للاستفادة منها.
في العقود السابقة، ومع صعود الصين اقتصادياً، شهدنا حملة واسعة في الإعلام الغربي عن «استغلال الصين خيرات إفريقيا» وتفضيل قيادات الدول الإفريقية التعامل مع الصين لأنها لا تعقد اتفاقاتها بشروط حول حقوق الإنسان أو طبيعة النظام السياسي الذي تتعامل معه كما يفعل الغرب.
لم تكن الحملة في الواقع حريصة على إفريقيا ومخاطر غرقها في ديون صينية، إنما كانت بسبب خسارة الغرب للنفوذ في القارة السمراء لصالح الصين. لم يتوقف صراع «التكالب على إفريقيا» حتى الآن. وبعد حرب أوكرانيا وحرب إيران والتطورات في قطاع الطاقة العالمية برزت أهمية النفط والغاز من دول إفريقيا، خاصة غرب القارة، التي لا تمر صادراتها من مضيقي هرمز وباب المندب.
مع هذا التغير في مسارات النفط والغاز، ولجوء المستوردين في آسيا إلى الولايات المتحدة وإفريقيا، بدأت شركات الطاقة العالمية الكبرى موجة تنافس جديدة على موارد القارة السمراء. لا يقتصر ذلك على الشركات الغربية الكبرى من الولايات المتحدة وأوروبا، بل إن روسيا أيضاً تسعى لتعزيز علاقاتها مع دول القارة وعينها على مواردها الطبيعية أيضاً.
صحيح أن الشركات الصينية رسخت لنفسها قاعدة في إفريقيا على مدى العقود الأخيرة، لكن آفاق الاستكشاف والإنتاج من الطاقة والمعادن وغيرها من الموارد الطبيعية تظل واعدة. هذا فضلاً عن أن أغلب الاقتصادات الإفريقية ما زالت في مراحل تطور أولية. وبالتالي هناك فرصة لشركات الاستشارات والخدمات، خاصة المالية، لتستفيد من تطوير النظم في الدول الإفريقية. حتى في قطاع الطاقة، هناك فرص أيضاً للشركات غير الصينية.
منتصف أكتوبر (تشرين الأول) عقد في كيب تاون بجنوب إفريقيا أسبوع الطاقة الإفريقي حيث عرضت خلاله دول القارة شكلاً جديداً لاتفاقيات الاستكشاف يمثل تنازلاً لصالح الشركات. يقضي شكل مذكرات التفاهم الجديدة بإعفاء الشركات العالمية من التزامات الاستثمار في التنقيب والإنتاج مع منحها مناطق امتياز بحرية واسعة. وهو ما يختلف عن اتفاقيات الشراكة في الإنتاج والعائدات السابقة.
بنهاية الشهر، وعلى هامش مؤتمر روسيا وإفريقيا، سعت موسكو لتوقيع مذكرات تفاهم مع عدد من الدول الإفريقية تضمن لشركاتها العمل في القارة السمراء.
يذكر أن بكين أيضاً لديها مؤتمر مماثل عن الصين وإفريقيا تستخدمه كمنصة لتوسيع أعمال شركتها في القارة.
من غير الواضح إلى أي مدى يمكن للشركات الغربية، الأمريكية والأوروبية، والشركات الروسية منافسة الشركات الصينية في إفريقيا. لكن المؤكد أن القادة الأفارقة، الذين بدأوا يدركون أهمية الموارد الطبيعية في بلدانهم، يحاولون الاستفادة من المنافسة بين الجميع في تكالبهم على إفريقيا.
إنما تظل الاتفاقيات مع الدول الإفريقية مرهونة بالاستقرار السياسي في القارة وتطور النظم الاقتصادية لبلدانها. وفي ظل الأوضاع الحالية تبدو الصين مستفيداً أكثر من الغرب وروسيا، حتى مع تقديم الدول الإفريقية إغراءات استثمارية للشركات الغربية.
هناك احتمال آخر، وهو أن الاستثمارات الصينية في القارة ربما وصلت إلى مرحلة التشبع. وبالتالي تحتاج الدول الإفريقية إلى استقدام استثمارات أخرى في مجالات متعددة لتطوير إمكانيات الاستفادة من مواردها الطبيعية. فضلاً عن أن الدور الصيني في القارة، وإن كان يتضمن مشروعات إنشائية في مجالات البنية التحتية إلا أنه يفتقر إلى الاستثمار في تطوير النظم وغيرها من القطاعات الخدمية.
في النهاية، يستمر التكالب على إفريقيا كلما وصلت القوى الكبرى إلى قمة منحنى الاعتماد على مناطق أخرى.
