الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

هندسة «فانس» للحل السياسي مع إيران

4 نوفمبر 2026 00:58 صباحًا | آخر تحديث: 4 نوفمبر 2026 00:59 صباحًا
دقائق القراءة - 3
شارك
share
دخلت المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلتها الثالثة، بعد محطتين فارقتين: هجوم يونيو/حزيران 2025 (حرب الاثني عشر يوماً)، وحرب فبراير/شباط 2026 (حرب الأربعين يوماً). ورغم وقف إطلاق النار الهش في إبريل/نيسان الماضي، تحول الصراع في مضيق هرمز إلى حرب استنزاف بالنقاط، تحكمها حسابات عقائدية وجيوسياسية معقدة ذات أبعاد كونية؛ حيث بات واضحاً أن الحرب أصبحت «فخاً» لا «مخرجاً».
وفي هذا السياق التفاعلي، يبرز بريق الدبلوماسية كبديل موضوعي لإدارة الأزمة؛ إذ أفادت صحيفة «وول ستريت جورنال» مؤخراً، بأن نائب الرئيس الأمريكي، جي دي فانس، بأمر من الرئيس ترامب، وجّه رسالة إلى القيادة الإيرانية لاستئناف مفاوضات السلام، في خطوة تهدف إلى تجنب سيناريوهات التصعيد العسكري عقب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. تقف هذه المحادثات اليوم بين مطرقة المطالب النووية لواشنطن وسندان السعي الإيراني للانفراج الاقتصادي، ما يطرح تساؤلاً محورياً: هل ينجح بريق الحل السياسي في تفكيك لغم الحرب المستمرة؟ وتأسيساً على ذلك، فإن المبادرة السياسية الأمريكية لا تمثل مناورة تفاوضية عابرة، بل تعكس مراجعة استراتيجية عميقة في عقيدة إدارة ترامب نحو التهدئة. وتتجلى أبعاد هذه الانعطافة عبر محددين بنيويين: أولهما، كوابح هيكلية داخلية ودولية تتمثل في صعود جبهة تشريعية وشعبية معارضة للحروب الخارجية، وأزمات اقتصادية تحد من الاستدامة اللوجستية العسكرية لواشنطن، بالتزامن مع تبلور نظام دولي متعدد الأقطاب. وثانيهما، التحول الإجرائي في آليات صنع القرار الأمريكي؛ حيث يعكس إسناد الملف حصرياً إلى نائب الرئيس «فانس»، المعروف بنزوعه الواقعي المقيد للتدخل الخارجي، تجاوزاً متعمداً للقنوات التقليدية والمحسوبة على التيار الأكثر تشدداً مثل وزير الخارجية ماركو روبيو، أو تلك المرتبطة بصفقات الإقليم مثل المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، ما يؤكد رغبة واشنطن الواقعية في الانتقال من مقاربة «الردع العسكري الخالص» إلى نموذج «التسوية والموازنة السياسية».
لا يمكن قراءة تكليف نائب الرئيس الأمريكي بملف المفاوضات الراهنة مع طهران بمعزل عن خلفيته الفكرية ومواقفه الاستراتيجية المعلنة؛ فهو يملك رؤية بنيوية مستقرة تعارض الانخراط العسكري المباشر في الشرق الأوسط، وتراها استنزافاً غير مبرر للقدرات الأمريكية. ومن هنا، فإن تحركه الحالي نحو الحل السياسي لم يكن وليد اللحظة أو مجرد مناورة مؤقتة، بل هو تطبيق عملي لعقيدة سياسية راسخة التزم بها منذ عام 2024. وتتضح الجذور التاريخية لخيار التهدئة هذا عبر ثلاث محطات زمنية وسياقية رئيسية:
* أولاً: كوابح ما قبل المواجهة العسكرية (أكتوبر 2024 - مايو 2025): قبل ثمانية أشهر من اندلاع الشرارة الأولى للصراع، في 28 أكتوبر 2024، وضع فانس حداً فاصلاً للمصلحة القومية الأمريكية بقوله: «ليس من مصلحتنا أن ندخل الحرب مع إيران، ستكون حرب استنزاف كبيرة ومكلفة جداً لنا». هذا الإدراك المبكر لـ«مأزق الحرب» ترجمه لاحقاً في 27 مايو/أيار 2025 بإبداء تفاؤله بمسار المحادثات، مرجّحاً صيغة تسوية براغماتية تنطوي على «إعادة دمج إيران في الاقتصاد العالمي» مقابل تقديم تنازلات استراتيجية.
* ثانياً: إدارة الصراع والدبلوماسية الموازية (يونيو 2025 - أكتوبر 2025): مع انتقال الأزمة إلى الطور العسكري المباشر في يونيو 2025، لم يتخلَّ فانس عن خطه الواقعي؛ بل شكّل قوة ضغط مركزية داخل البيت الأبيض لدفع الرئيس ترامب نحو المسارات البديلة. وتبدّى هذا التوجه في إبلاغ ترامب للرئيس التركي رجب طيب أردوغان باستعداده لإرسال نائبه ومبعوثه ستيف ويتكوف، أو السفر شخصياً، إلى تركيا للقاء القيادة الإيرانية. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، وأثناء الهدنة المؤقتة الأولى، سعى لتثبيت كوابح التصعيد بإعلانه صراحة، أن الرئيس ترامب يرغب في علاقات طيبة مع إيران، مؤكداً عدم وجود أي خطط لإرسال قوات برية إلى غزة أو إسرائيل، في إشارة واضحة لرفض واشنطن توسيع الرقعة الجغرافية للحرب.
* ثالثاً: تصفير الخطوط الحمراء في ذروة التصعيد (فبراير 2026): خلال الطور الأعنف للصراع (حرب الأربعين يوماً) في فبراير/شباط 2026، اتخذت دبلوماسية فانس منحى أكثر مرونة وجرأة؛ حيث أعلن من العاصمة الأرمينية (يريفان)، أن المفاوضات مع إيران «لا تخضع لأي خطوط حمراء». هذا التعبير يعكس تحولاً جذرياً في أدبيات التفاوض الأمريكية، حيث أعاد تأكيد رغبة ترامب في صياغة اتفاق شامل يخدم مصالح جميع الأطراف، معتبراً الدبلوماسية المخرج الوحيد لتفادي الانهيار الهيكلي للإقليم.
بناءً على ذلك، يبدو أن رسالة فانس الأخيرة للقيادة الإيرانية ليست تحولاً فجائياً فرضته انتخابات التجديد النصفي فحسب، بل نتيجة منطقية لجهد تراكمي قاده لفرض مقاربة «الواقعية» كبديل لعقيدة الردع الخالص التي تبناها التيار الصقوري في الإدارة الأمريكية، ليشهد النظام الدولي الجديد ولادة تسوية سياسية متعددة الأطراف تُفكك معضلة الصراع العسكري الراهن.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة