تنفّست أوروبا الصعداء بعدما استوعبت حجم الانتكاسة التي مُني بها الرئيس دونالد ترامب في انتخابات منتصف الولاية الأمريكية.
ومع ذلك، لا يزال السياسيون الأوروبيون يتعاملون بحذر مع احتمال أن تُفضي هذه الهزيمة إلى تغيير في سياسة الإدارة الأمريكية تجاه القارة.
هل يتغيّر ترامب؟
أثار الفوز الكاسح للديمقراطيين، الأربعاء، أملاً حذراً في بروكسل بإمكانية استعادة العلاقة مع ترامب بعضاً من توازنها.
وقال دبلوماسي: «أعتقد أن ثمة شعوراً بالارتياح هنا إزاء احتمال أن تكون هذه بداية نهاية حقبة ترامب، ولا أحد أكثر سعادة بذلك من الأوروبيين».
ورأى رئيس الوزراء الإسباني الاشتراكي بيدرو سانشيز أن «الموجة اليمينية المتطرفة تتهاوى»، عقب الفوز الكاسح للديمقراطيين في الانتخابات الأمريكية، وذلك قبل أسابيع من الانتخابات التشريعية المبكرة في إسبانيا، المقررة في 29 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري.
ومنذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض مطلع عام 2025، آثر الاتحاد الأوروبي تجنّب المواجهة مع الرئيس الأمريكي.
وعلى مدى عامين، تلقّى الأوروبيون صدمة تلو الأخرى، بدءاً من استقبال ترامب نظيره الروسي فلاديمير بوتين في ألاسكا، وصولاً إلى فرض رسوم جمركية بنسبة 15% على الواردات الأوروبية.
وقال الدبلوماسي: «كان الأمر صعباً للغاية». لكن لا أحد يتوقع تحولاً جذرياً في الملفات الأساسية.
ماذا عن أوكرانيا وحلف شمال الأطلسي؟
على الرغم من سيطرة الديمقراطيين على مجلسَي النواب والشيوخ، لا يتوقع الاتحاد الأوروبي أن تؤدي النتيجة، بحد ذاتها، إلى استئناف المساعدات الأمريكية لأوكرانيا.
وقال دبلوماسي أوروبي، إن «الديمقراطيين ينكفئون على أنفسهم»، وإنهم «يتوقعون أيضاً أن تتولى أوروبا» تمويل أوكرانيا.
وتوجّه الأوروبيون خلال الأسابيع الأخيرة إلى شركاء آخرين، بينهم كندا والمملكة المتحدة، سعياً إلى تأمين 70 مليار يورو طلبها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لتمويل الاحتياجات العسكرية لبلاده عام 2027.
ومع ذلك، أعربت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، عن أملها في أن يمارس الكونغرس الأمريكي المقبل «مزيداً من الضغوط على روسيا».
ويسود تشكّك مماثل في حلف شمال الأطلسي. فالحلفاء الأوروبيون يترقبون بقلق ما ستخلص إليه وزارة الدفاع الأمريكية في ديسمبر/ كانون الأول المقبل، بشأن إعادة انتشار القوات الأمريكية في أوروبا.
وسبق لدبلوماسيين أن أشاروا إلى أنهم لا يتوقعون أن تؤثر انتخابات منتصف الولاية في نتائج المراجعة.
لكن مع تلويح الديمقراطيين بمساءلة وزير الدفاع بيت هيغسيث، قد يواجه أحد أبرز الأصوات المنتقدة لأوروبا في البنتاغون ضغوطاً متزايدة. ومع ذلك، يؤكد الأوروبيون أنهم ماضون في تحمّل قدر أكبر من المسؤولية عن أمنهم.
واعتبر وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، أن الانتخابات ونتائجها تشكّل «بشرى سارة للديمقراطية الأمريكية».
لكنه حذّر من صرف الانتباه عن «الضرورة الملحّة والحيوية لضمان استقلالنا الوطني، المتمثلة في بناء أوروبا أقوى وأكثر ازدهاراً وديمقراطية، بصرف النظر عن الخيارات التي تُتخذ على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي».
مجال أوسع للحوار بشأن التكنولوجيا؟ -
لا يتوقع الأوروبيون أن يُلغي الديمقراطيون بالكامل الرسوم الجمركية البالغة 15% التي فرضها ترامب على الواردات من القارة.
وعلى الرغم من أن الرسوم الجمركية شغلت حيزاً كبيراً من الحملة الانتخابية الأمريكية، فإن استطلاعاً حديثاً أجراه مجلس العلاقات الخارجية أظهر أن ربع الأمريكيين فقط يؤيدون إلغاءها.
ويخوض الأوروبيون منذ عامين أيضاً مواجهة مع الأمريكيين بشأن التكنولوجيا. فإدارة ترامب، المقرّبة من رؤساء عدد من شركات التكنولوجيا العملاقة، تنتقد باستمرار القوانين الأوروبية المنظمة لعمل المنصات الرقمية، وتعتبرها شكلاً من أشكال الرقابة.
وقال مسؤول أوروبي، عقب فوز الديمقراطيين: «نأمل أن يتاح لنا مجال أوسع للحوار، والعمل مع الكونغرس بشأن قضايا عالمية مشتركة، مثل الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني».
إيران والتضخم
من باريس إلى أثينا، ومن روما إلى مدريد، يتظاهر الأوروبيون منذ أسابيع احتجاجاً على غلاء المعيشة. وبلغ التضخم في منطقة اليورو أعلى مستوياته في ثلاث سنوات، مدفوعاً بالارتفاع الحاد في أسعار الطاقة جراء الحرب في إيران.
فقد ارتفع معدل التضخم إلى 4 % في أكتوبر/ تشرين الأول.
وأثارت الضربات المحدودة التي شنّتها واشنطن على إيران هذا الأسبوع مخاوف من أن يتدهور الوضع مجدداً.
وبعدما أقرّ ترامب بأن الحرب على إيران كانت أحد أسباب الهزيمة الجمهورية، كان نائبه جاي دي فانس أكثر صراحة، إذ كتب الأربعاء في منشور مطوّل على منصة «إكس»: «الحرب هي سبب هزيمتنا».
وأضاف: «الجميع يعرف لماذا خسرنا، وأي نقاش صريح بشأن المسار الذي ينبغي أن نسلكه من الآن فصاعداً يجب أن يبدأ من هنا».