الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

«البوكران» إلى الرواية العُمانية

  • جدل حول تاريخ صدور أول نص روائي في السلطنة
4 نوفمبر 2026 00:07 صباحًا | آخر تحديث: 4 نوفمبر 2026 00:07 صباحًا
دقائق القراءة - 7
شارك
share
icon الخلاصة icon
تأريخ وتطور الرواية العُمانية وأبرز كتّابها، حضور الكاتبات، وجوائز «تغريبة القافر» و«سيدات القمر» وثيمات الماء والجوع والسحر
تُجْمع الدراسات والبحوث الأدبية المتعلّقة بالرواية في عُمان، أن أوّل نصّ روائي كان قد صدر في عام 1963 للروائي العُماني عبدالله الطائي بعنوان (ملائكة الجبل الأخضر)، غير أنني قرأت أن الناقد إسماعيل بن مبارك العجمي يقول في كتابه (اتجاهات الرواية في عُمان)، إن أوّل نصّ روائي عُماني كان عنوانه (الأحلام)، ونشر في عام 1939 في مجلة (الفلق) العُمانية (..التي كانت تصدر في زنجبار يوم كانت تلك البلاد جزءاً من عُمان)، وإن كاتب تلك الرواية مجهول الاسم.
وعلى فرض أن التاريخ الأدبي الرسمي للرواية في عُمان بدأ منذ أوائل ستينات القرن العشرين، فإن ثلاثين رواية صدرت منذ ذلك الوقت وحتى عام 2007 بحسب إحصائية للناقد د. شبّر الموسوي، لكن، وفي مكان آخر من مصادر هذه المادة أحصى حمود الشيكلي 60 رواية صدرت حتى عام 2012.
جوخة الحارثي
جوخة الحارثي
زهران القاسمي
زهران القاسمي
في مطلع الألفية الثالثة، وبحسب قراءة موسّعة منشورة في مجلة (نزوى) نطالع قائمة جديدة من كتّاب الرواية ومن هؤلاء: أحمد الزبيدي، عبد العزيز الفارسي، خالد الكندي، أحمد الرحبي، يونس الأخزمي، سلطان العذري، محمود الرحبي، سالم آل توية، سليمان المعمري، نبهان الحنشي، حمود الشكيلي، محمد الفزاري، سالم الجابري، عبدالله الحرسوسي، زهران القاسمي، وإبراهيم سعيد.
«البوكران» إلى الرواية العُمانية
«البوكران» إلى الرواية العُمانية
بحسب المادة المنشورة في (نزوى) أيضاً بعنوان (الأصوات الروائية الجديدة في عُمان)، فإن أول رواية عُمانية صدرت بقلم امرأة هي رواية (الطواف حيث الجمر) في عام 1999 للكاتبة العُمانية بدرية الشحّي، التي أصدرت في تلك الفترة رواية أخرى بعنوان (فيزياء1)، وَيَلي ذلك طيف نسائي روائي عُماني يتألف من الكاتبات: جوخة الحارثي، غالية آل سعيد، أزهار أحمد، هدى حمد، زوينة الكلبانية، وعزيزة الطائية.
إشارة أخرى تضاف إلى هذه الإضاءة السريعة على الرواية في عُمان، وهي أن بعض الشعراء العمانيين توجهوا إلى كتابة الرواية مثلما توجّه عدد من الشعراء العرب إلى هذا الفن السردي الذي أصبحت تدور حوله الجوائز الأدبية العربية والعالمية، ومن الشعراء العُمانيين الذين كتبوا الرواية: محمد الحارثي الذي كتب رواية (تنقيح المخطوط) في عام 2013، والشاعر زهران القاسمي، صاحب رواية (تغريبة القافر) التي حازت الجائزة العالمية للرواية العربية، ويشار أيضاً إلى أن رواية (سيّدات القمر) للكاتبة والأكاديمية العُمانية جوخة الحارثي حازت المان بوكر العالمية في عام 2019، وسوف أتوقف عند الروايتين، رواية زهران القاسمي، ورواية جوخة الحارثي، احتفاء بعربية وعالمية الرواية الجديدة في سلطنة عُمان.

تغريبة القافر

من غرق مريم بنت حمد ود غانم في طوي (بئر) الخطم، بالقرب من ضاحية القعتة في قرية المسفاة، إلى نجاة ابنها سالم بن عبدالله من الموت اختناقاً تحت الأرض، وهو يبحث عن الماء الذي كان دائماً وأبداً هبة الله إلى سمعه حين كان يضع أذنه على وجه الأرض فيسمع صوت الماء.. أقول من طوي الخطم، إلى «قرية ميّتة» تدور رواية (تغريبة القافر) للروائي والشاعر زهران القاسمي، (2022 منشورات مسكلياني)، وهي رواية بيئة قروية تعتمد في حياتها على ماء الأفلاج، وسوف يكون بطل الماء، إن جازت العبارة هو سالم بن عبدالله ابن المرأة التي سقطت في البئر، وسوف يشتهر في المجال الزراعي بين قرية المسفاة وقرية المسيلة بقدرته على (القفر)، والقافر هو الرجل الذي يقتفي أثر الماء في الأفلاج، أو قل هو الباحث عن الماء في القنوات المعروفة في عُمان بـِ(الأفلاج).
موضوع روائي جديد بالفعل، وفي الرواية (يتغرّب) القافر عن زوجته نصرا بنت رمضان، ويذهب إلى قرية لا ماء فيها بعد أن أقنعه رجل يدعى محسن بن سيف، واتفق معه على أن يعمل على العثور على الماء وله (نصف البلد) الأمر الذي يغري القافر فعلاً، فيخوض التجربة بعد معاناة عظيمة، والانتظار الطويل الذي عاشته زوجته نصرا بما يذكر بانتظار بينلوب لعوليس.
في الرواية إحالات عدة سوى إحالة أو استعادة صورة بينلوب في صورة نصرا بنت رمضان التي جزت صوف أغنامها وصنعت لها مغزلاً تحوك عليه الخيوط، لتكون بذلك صافية القلب لزوجها الغائب.

قوة خارقة

يتمتع سالم بن عبدالله (القافر) بقوة سمع خارقة للعادة، فهو منذ كان طفلاً كان يسمع صوتاً ما إذا ما قرّب أذنه من وجه الأرض، ولم يكن ذلك الصوت سوى صوت الماء.
إن القوّة السمعية الخارقة للقافر، تذكّر بقوّة الشم الرهيبة عند غرونوي في رواية (العطر) للكاتب الألماني زوسكنيد، ثم إن معالجة الصخور بالمطرقة والمسامير ودكّها بقوة لتفتيتها، وبالتالي، انفجار الماء منها، يذكرك ولو من بعيد بالمعاناة الجسدية والوجودية التي عاشها سيزيف وهو يدحرج الصخرة من فوق الجبل، ثم يعود ويصعد بها إلى الأعلى في تجربة عذاب مكرر عاشها القافر في أثناء دقّه اليومي على الصخرة التي دَهَنها بالثوم اعتقاداً منه أن الثوم يساعد على تفتيت الصخر.
الطرق على الصخرة، يذكر القارئ أيضاً برجال غسان كنفاني المحشورين في خزّان الماء، ولكي ينجوا من الموت ما كان عليهم سوى أن يطرقوا الخزان، لكن (القافر) لم يكن في خزان كنفاني، بل، كان في خزّان الماء في باطن الأرض، وظل يطرق يطرق إلى أن انفجر الماء.
ولك أن تلاحظ هنا، أن أم القافر (مريم بنت حمد) غرقت في بئر، وابنها، وبعد سنوات من حياته سيكون في ما يشبه البئر، ولكنه هذه المرة لن يكون غريقاً، بل، جدير بصفة القافر.

سيدات القمر

كما لو أن (سيّدات القمر) في رواية جوخة الحارثي هن معاً سيدة واحدة، أما القمر في الرواية، فيتكثّف في تلك السيدة الغامضة، ذات الرائحة الفاغمة (نجيّة)، ولكل سيدة قمرها الذي يدور حولها، أو هي التي تدور حول قمرها ضمن منظومة من حكايات نساء ورجال في قرية العوالي، قرية المزارعين، وفلّاحي الأفلاج، وهي أيضاً قرية الجن والسحر، قرية النخيل والحكايات.
الرواية (مركّب) قصص وشخصيات. رواية مقطعية إن جاز الوصف، وينطبق عليها أيضاً وصف المقطعية السينمائية، رواية متنقلة السرد، سرد متنقل من سيدة إلى أخرى، ولذلك، فأنت لا تقبض على حكاية شخص واحد مثل القافر عند زهران القاسمي، بل هناك، كما اجتهد هنا، مجموعة مرايا لمجموعة سيّدات: من (ميا) بنت سالمة، إلى سالمة نفسها جدّة (لندن) الاسم الغريب تماماً في قرية العوافي، صاحبة الاسم (النصراني) الذي يُفرض فرضاً على ثقافة العوافي ومحيطها النسوي (القمري).
أيضاً من نجيّة (القمر) وصاحبتها خزينة، إلى ظريفة المذهلة، الوارفة الجسد، العبدة، عبدة التاجر سليمان، والتي يذكرها ابنها سنجر بأن زمن العبودية انتهى، وعليه وعليها أن يتحررا من ثقافة أو مجتمع العبودية.
(خولة) يقابلها في الرواية (ناصر)، و(لندن) يقابلها أحمد، وميا يقابلها (محمد)، التي تبدأ بها الرواية على شكل تعاويذ وصلوات: «والله العظيم يا رب لا أريد شيئاً، فقط أن أراه، والله العظيم يا رب لا أريده أن يلتفت لي، فقط أريد أن أراه» ثم (أسماء) التي يقابلها خالد، وفي إطار هذا الدوران النسائي أو الفلك النسائي هناك سيدات أُخر، نورة صديقة خولة، ثم خولة وأسماء، ثم زوجة المؤذن «النازحة من سمائل منذ زمن بعيد، المنسي اسمها بعدما ناداها كل الناس بحرمة المؤذن..».
فلك نسائي دوّار مشدود إلى حالة قمرية، عشقية، أو إنسانية أو وجودية أو حلمية في داخل كل امرأة، في داخل كل سيدة، ولذلك، ما إن نتابع قصة إحدى هؤلاء النسوة اللواتي من دون نون النسوة، حتى ينقطع حبل القصّ، ثم لا تلبث أن تعود السيدة مرة أخرى إلى الظهور، في إطار أكثر من سارد، وأكثر من راوٍ، كأن كل سيدة هي وحدها من تعرف حكايتها، وهي فقط من يحق لها أن تروي حكايتها.
في إطار منظومة القصّ النسائي المتداخل في رواية (سيّدات القمر) تُدْخل جوخة الحارثي قضايا أخرى ذات طابع اجتماعي ثقافي: التبشير المسيحي في عُمان في أواخر الستينات، ثم ظاهرة تهريب الأسلحة.. «..ورغم أن السلطان فيصل قد أصدر عام 1891 إعلاناً دعا فيه العُمانيين إلى عدم تصدير الأسلحة إلى ميناء جوادر، فإن التاجر هلال وأصدقاءه من التجار تزايد اعتمادهم على الأسلحة كمصدر مضمون للكسب، خاصّة مع حاجة الأفغان للسلاح..».
تشير الرواية أيضاً إلى ظاهرة تجارة الرقيق التي جنى منها التاجر سليمان أرباحاً طائلة.
تشير الرواية أيضاً إلى زمن الجوع.. «في سنة الخرسة نزل المطر عشرة أيام كاملة. بيتي هذا ذاب كله وحتى بيوت الهناقرة قطرت وانخشفت سقوفها، متنا جوع يا ولدي، كل التمر أفسده المطر وخرس..».
الجوع ثيمة واضحة في (سيدات القمر)، وكانت إحدى هذه السيّدات وهي (سالمة) تتذكر إحساساً واحداً هو الجوع، وهذه ظريفة (تأكل بجميع أصابعها كأنها تنتقم لكل سنوات الجوع التي عرفتها في بيت الشيخ سعيد قبل أن يشتريها أبي».
الجوع، جوعان في رواية (سيّدات القمر).. جوع هؤلاء النسوة السيدات للحياة، والحرية، والعلم، والحداثة، ثم الجوع المعوي العادي الذي يتسبب فيه المطر أحياناً، أو الأوبئة، أو الحروب.

بين عالمين

تشكّل ثنائية السحر والجِن قاعدة ثقافية في الذاكرة الشعبية العمانية، وأصبح وجود ساحر في القرية يوازي اجتماعياً وجود (المطوّع) = مدرّس القرآن واللغة والفقه = ولأن الوسط الاجتماعي العُماني، وبخاصة القروي منه، يقوم ثقافياً على معتقدات راسخة من بينها السحر، إذاً، فقد أصبحت شخصية الساحر شخصية روائية بامتياز.
السحر والساحر وخوارق الجن ظواهر شعبية ومعتقدية موجودة في (تغريبة القافر)، وفي (سيّدات القمر)، لا بل يعيد أهل القرية في رواية (تغريبة القافر) شُحّ الماء وجفافه من الآبار والأفلاج إلى غضب السحرة، «..تناقل البعض أن الجن عاقبوا القرية وسحبوا ماءها إلى الأرض السفلية.. وادّعى آخرون أن ساحراً مرّ على قرية الوضيحي وأُعجب بفتاة، وطلبها للزواج، لكن أهلها رفضوه، فقرأ الساحر عليهم تعويذة سحب بها الماء وطواه بيده كما يطوي السجّادة..».
في رواية (سيّدات القمر)، تتحدث المرأة السوداء ظريفة عن السحر الذي يصيب المرأة وهي في النفاس، وهذه ظريفة أيضاً تصنع طعاماً خاصاً للساحرة أو للجنيّة (بقيعوه) وتقدم لها الطعام وهي تقول: (يا بقيعوه، يا بقيعوه، هذا أكلك ودعي لنا أكلنا، هذا نصيبك ودعي لنا نصيبنا، هذا من خراثة ميا بنت سالم، دعيها في حالها، ولا تضرّيها، ولا تضرّي المولودة..).. (الخراثة: النفاس وما يستتبعه من طعام خاص) والمرأة في النفاس هي المرأة الحديثة الولادة.

حضور العطش

في (تغريبة القافر) يأكل الناس الجراد من شدّة الجوع في سنوات القحط أو في السنوات التي يجف فيها، وفي رواية (سيّدات القمر) جوع كثير، وسنة (الخرسة) هي سنة جوع وعطش، وعلى الواحد من أهل العوافي ألا ينام عطشانَ (كي لا تغادره روحه)، وإذا كانت جوخة الحارثي تستحضر فكرة العطش في (سيدات القمر)، فإن رواية (تغريبة القافر) كلّها رواية ماء ورواية عطش.
تتنوع في المعرض الجلسات الحوارية واللقاءات الأدبية وورش العمل، إلى جانب برامج مخصصة للأطفال والعائلات والمهتمين بالكتابة والفنون. ويضم البرنامج الثقافي نخبة من الكتّاب  يناقشون موضوعات تمتد من الأدب والرواية والشعر والنقد إلى التاريخ والعلوم والتكنولوجيا. 
البوكران
البوكران

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة