«ثلث ديوان العرب شعر عُماني»، كما يقول بعض الباحثين في تاريخ الشعر العربي، لكن، أوّل ما يتبادر إلى الباحث في هذا الديوان الذي يشكل جزءاً مهمّاً من هوية الشخصية الثقافية العربية أن الخليل بن أحمد الفراهيدي إنما تعود جذوره القبلية إلى عُمان، وهو واضع علم العَروض «..فسمّاه عَروضاً بفتح العين أي ناحية من العلم، أو باسم العَروض وهي مكة لأنه أُلهم هذا العلم ( أي علم العروض) هو بمكة..» كما قال الأديب محمد بن راشد بن عزيز الخصيبي الذي سنعود إليه في معرض الإشارة إلى شعراء عُمان من القرن الأول الهجري إلى القرن الرابع عشر.
هنا في هذه المادة رأيت أن أبدأ من الفراهيدي الذي حوّل الوزن الشعري إلى بحور وتفاعيل قائمة على معرفة علمية مبكرة جداً، توفّرت لرجل قال عنه الشيخ العلّامة المؤرّخ أبو محمد سالم بن شامس «..استخرج الخليل بن أحمد الفراهيدي علم العروض من وقع مطرقة على طست، لم يَبْنِ على مثال، ولم يجر على منوال، ولو لم يكن له إلا كتاب (العين).... لكفى، وهو أستاذ سيبويه، وأحد الهُداة، وهو واضع إشكال الإعراب والنقط، ومناقبه لا تُحْصى، وكل رجال الإسلام في هذه الأحوال عيال عليه».
وبالطبع، ما دامت إحدى أهم مرجعيات الشعر العربي هي (خليلية) أو «فراهيدية» فإنه من الطبيعي أن يكثر الشعراء العمانيون، وأن تكون الهوية الأبرز للشعر العماني هوية عمودية خليلية، وسوف نجد في كتاب (شقائق النعمان على سموط الجمان في أسماء شعراء عمان) قائمة طويلة جداً تنتمي إلى عائلة شعرية واحدة هي عائلة القصيدة الخليلية، أمّا مؤلف هذه (الشقائق) فهو كما ذكرت قبل قليل الفقيه الأديب محمد بن راشد بن عزيز الخصيبي.
مراحل
في الجزء الأول من هذا الكتاب نتعرف إلى العشرات من الشعراء العمانيين القدامى ومنهم: مازن بن غضوبة الطائي، محمد بن يزيد الأسلمي، إبن دريد، الشيخ محمد بن سعيد القلهاتي، أحمد بن سعيد الستالي، الشيخ عبدالله البهلوي، ابن لواح، موسى بن الحسين الكيذاوي، ابن قيصر الصحاري وغيرهم الكثير من الشعراء..
في الجزء الثاني من الكتاب نتعرف إلى طائفة أخرى من الشعراء: الشيخ أحمد بن عبدالله الحارثي، الشيخ سعيد بن حمد الحارثي، عائشة بنت الشيخ العلّامة عيسى بن صالح الحارثي، الشيخ أحمد بن حمدون الحارثي، الشيخ المؤرّخ أبو بشير محمد، الربيع بن المروفي، هلال بن سالم بن حمود السيابي، سليمان بن خلف الخروصي، الشيخ علي جبر الجبري، موسى بن عيسى البكري، وغيرهم من الشعراء.
في الجزء الثالث نتعرف أيضاً إلى طائفة كبيرة من الشعراء منهم: الشيخ محمد بن إبراهيم الكندي، الشيخ سعيد بن سالم الصايغي، الإمام نور الدين السالمي، الشيخ أبو مالك عامر المالكي، الشيخ سيف بن حمد الأغبري، وغيرهم كثير من الشعراء..
في بحثه المهم (شعراء عمان في الجاهلية والإسلام) يقول الشاعر والباحث أحمد محمد عبيد: «..إن أقدم ما وَصَلَنا من شعر عُماني قديم هو لمالك بن فهم الأزدي وأولاده ومن عاصرهم، فهل هذا الشعر هو كل ما قاله أهل عُمان؟ بالطبع لا، لأن المصادر العربية أهملت إقليم عمان في تأريخها لتاريخ الجزيرة العربية قبل الإسلام، ولولا أن حروب الردة قد أعادت بعضاً من الاعتبار التاريخي للمنطقة، لسقطت أخبارها من ذاكرة الرواة..».
في التوثيق المستند إلى التاريخ وإلى النصوص الشعرية، يذكر أحمد محمد عبيد طائفة من شعراء عمان نشير إلى أسماء بعضهم، وذلك على سبيل المثال لا الحصر:
أوّل من أشار إليه الباحث كان الشاعر الأشتر الحمامي ويقول إنه لم ترد أخبار عن الحمامي تبين إن كان جاهلياً، أو إسلامياً (يقصد من شعراء صدر الإسلام)، ثم يذكر الأعور بن عمرو الأزدي، وأوس بن زيد مناة العبدي، وثعلبة بن بكر الأزدي، والجلندي بن المستكبر الأزدي، وجوّاس بن حيان الأزدي، وسامة بن لؤي القرشي، وسليمة بن مالك الأزدي، وغيرهم من شعراء عمان في الجاهلية والإسلام، ونلاحظ هنا أن الكثير من شعراء عمان في تلك الفترة يعودون في نسبهم إلى قبيلة الأزدي أو قبيلة أزد، ومنها، كما يعرف القارئ، الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي.
وهذا أوس بن زيد مناة العبدي يمدح رجلاً من الأزد اسمه (مالك) فيقول:
عزَّ من كان مالك له جاراً
لستَ في الأزد إنْ حللت غريباً
قائمة طويلة
لقد أردت من وراء اعتمادي في هذه المادّة على مؤلف الشيخ الفقيه الأديب محمد بن راشد بن عزيز الخصيبي، وعلى مؤلف الباحث الشاعر أحمد محمد عبيد أن أشير إلى كثرة الشعراء العمانيين، وعمدت إلى تثبيت قائمة طويلة بأسمائهم لأخلص إلى القول إن الجذور البعيدة للشعر العماني هي عمودية خليلية، الأمر الذي يعني أن البيئة الثقافية للشعر في عُمان هي بيئة كلاسيكية تقليدية، لكن الشعر في عمان شأنه شأن التحوّلات الجذرية التي طرأت على القصيدة العربية في الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين لتظهر قصيدة التفعيلة، ثم قصيدة النثر.. أقول، إن الشعر في عمان، وهو عمودي المرجعية والتربية والفكر الأدبي لم يكن في معزل عن تحوّلات الشعر العربي على يد من يُسَمّون الروّاد وبخاصة في العراق: بدر شاكر السياب، عبدالوهاب البياتي، بلند الحيدري، نازك الملائكة وغيرهم... لكن، ومرة ثانية، لأن ثلث ديوان العرب شعر عُماني كما قرأت في إحدى المراجع نلاحظ أن شعراء التفعيلة وقصيدة النثر في عُمان يمتازون عن أقرانهم العرب بإحاطتهم العميقة بالتراث الشعري العربي، ولم يتطرق أحد منهم في حداثيته إلى مستوى القطيعة الكلية والعدائية تجاه التراث، وبخاصة الشعر العماني القديم، وبقيت حداثية الشعر العماني المعاصر أو الجديد مشدودة روحياً ووجدانياً إلى جوهر ديوان العرب، وإلى رمزيته المعنوية والثقافية.
محطة مفصلية
قبل أن أنتقل إلى الإضاءة على نماذج بارزة في الشعر العماني الحديث (التفعيلة وقصيدة النثر) أتوقف عند مفصل شعري بالغ الأهمية في عُمان وهو الشاعر أبو مسلم البهلاني (ناصر بن سالم الرواحي 1860 - 1920) الذي يعتبره العمانيون واحداً من روّاد الشعر الحديث، والأكثر حضوراً في الذاكرة الثقافية العمانية.
كان البهلاني رجل أدب، ينحدر من عائلة فقه وقضاء، وهو نفسه كان قاضياً متعمّقاً في علوم الدين، وهو مؤسس أوّل صحيفة عمانية (صحيفة النجاح)، وتذكر مصادر سيرته الذاتية أنه كان يكتب في جريدة الأهرام في مصر، ويفهم من هذه السيرة أن شعره وطني سياسي، وفي ضوء حضور شخصيته الثقافية والأدبية أدرجته (اليونيسكو) على - قائمة الشخصيات المؤثرة عالمياً، وذلك في عام 2019، في مناسبة الذكرى المئوية - لوفاته، ويقول الشاعر محمد الحارثي في كتابه (عين وجناح) إن البهلاني عاش جلّ حياته منفياً في زنجبار وهو علامة فارقة في الشعر العماني الكلاسيكي، ويضيف الحارثي: «لولا العزلة التي عاشها في منفاه، وعدم اكتراث الدراسات النقدية به لكانت له، ذيوعاً وانتشاراً، المكانة ذاتها التي حظي بها شوقي وبدوي الجبل ومطران وسواهم، من شعراء النهضة، ورغم تفقهه لم يكن ناظماً كسائر الفقهاء، بل شاعراً كبيراً لم ينل الحظ والمكانة التي يستحقها شاعر في مقامه بين مجايليه..».
هذه شهادة شاعر عُماني حداثي يكتب قصيدة النثر في شاعر كلاسيكي متصوّف وفقيه، ولعلنا نتوقف عند قول الحارثي بأن البهلاني (..لم يكن ناظماً كسائر الفقهاء) ما يعني حقيقة شعرية ثقافية هنا، وهي أن بعضاً، وربما كثيراً من شعراء عمان الذين وردت أسماؤهم في بداية هذه المقالة كانوا نظّامين في حقيقة أمرهم، وما النظم سوى صناعة تقوم على مهارة السبك اللغوي بالوزن والقافية من دون روح شعرية لا نظمية تطفئ عادة نور الشعر، وفي المقابل، هناك من يضع النظم وراء ظهره ويكتب بروح إبداعية طليقة حرّة سواءً في الوزن وفي اللّاوزن،
أجيال
الجيل الشعري العماني الجديد أو المعاصر، وأقصد به هنا شعراء الستينات والسبعينات والثمانينات وما تلاهم من أسماء جديدة يتألف من ثلاثة أطياف متكاملة لا متنافرة، ومرة ثانية جميعها أطياف مشدودة إلى ذاكرتها الشعرية العمانية التاريخية أو الكلاسيكية، ومن الأسماء الفاعلة في هذا المشهد العماني الحديث: سيف الرحبي، مبارك العامري، محمد الحارثي، عبدالله الريامي، عزان المعولي، هلال الحجري، حسن المطروشي، سماء عيسى، نورة البادي، علي الصومالي، حمد الخروصي، سعيدة بنت خاطر الفارسي، محمد قراطاس، عبدالله بن علي الخليلي، زاهر الغافري، صالح الفهدي..
طائفة من هؤلاء الشعراء تكتب القصيدة العمودية، والبعض يكتب التفعيلة، وهناك فريق ثالث يكتب قصيدة النثر ويتحمّس لها، لكن هذه الحماسة لا تلغي الوجه الشعري التراثي العماني أو تنفيه أو تنادده، بل، تتكامل هذه الأصوات الشعرية نحو صياغة نصّ إبداعي جديد يلتقي في هواجسه، وأسئلته، ولغته مع القصيدة الجديدة في الخليج العربي، وتحديداً شعراء قصيدة النثر.
عرف الجيل الشعري العماني المعاصر تحوّلات الشعر الأوروبي، وعرف بعض الشعراء العمانيين ما يمكن أن أسميه الهجرة الثقافية أو الشعرية إلى بعض البلدان العربية مثل لبنان، ومصر والمغرب، والبعض برع في كتابة أدب الرحلة مثل محمد الحارثي.
أشير أيضاً إلى الصلة الحميمة التي تجمع بين الشعراء العمانيين والشعراء الإماراتيين، وذلك، نظراً للتقارب الجغرافي، وأكثر من ذلك، التقارب الثقافي والوجداني والتاريخي الذي أوجد صيغة شعرية عربية خليجية حميمة ليس بين الشعراء أنفسهم فقط، بل، حتى بين النصوص الشعرية التي تتشابه أحياناً في اللغة والروح والعمق..
صور في التراث الشعري
وضع الباحث والشاعر العماني د. هلال الحجري موسوعة عُمان في التراث العربي (ثلاثة أجزاء)، وقد تتبع د. الحجري صور عُمان في الشعر العربي:.. صورة النأي، وصورة الملاذ الآمن، وصورة عُمان التي يطلبها الناس للرزق وطيب العيش، وصورة جواهر بحر عُمان، وصور الأزد، وأخيراً، صورة الجِمال العُمانية الأصيلة.
سأجد في هذه الموسوعة الكبيرة والمهمّة بالنسبة للذاكرة الثقافية العُمانية بيتاً من الشعر لأبي بكر الصدّيق يورده د. الحجري كمثال على صورة النأي (أو البُعْد.. بُعْد المكان) لعُمان، وهنا يدعو أبو بكر إلى الإسلام حتى ولو كان في جبال عُمان يقول:
هلمّوا إلى دين النبيِّ محمد
ولو كان في أقصى جبِال عُمان
يقول د. الحجري: «ربما لبعدها ونأيها عن نفوذ السلطات المستبدة كانت عُمان ملاذاً لبعض الشعراء العرب الذين فرّوا إليها خوفاً من البطش والظلم»، ومن هؤلاء الشعراء اللائذين بُعمان: قيس بن زهير العبسي «الذي هاجر إلى عُمان بعد حرب داحس والغبراء في الجاهلية».
ويذكر د. الحجري حديثاً متداولاً، كما يقول في التراث العربي عُمان وهو «مَنْ تعذّر عليه الرزق فعليه بِعُمان»، ومن الشعراء الذين توجّهوا إلى عُمان طلباً للرزق الشاعر الجاهلي (أعشى قيس).
ويأتي د. الحجري على نصّ للجاحظ ينوّه فيه لجودة الجواهر العُمانية ويقول: «..وخير اللؤلؤ الصّافي العُماني المستوي الجسد الشديد التدحرج والاستواء».
ويشير د. الحجري إلى صورة قبيلة الأزد في عُمان، ويقول إنهم كانوا مثالاً للعزّ ومنبت الكرامة، ويفرّق الشعراء بينهم وبين أزد شنودة في العراق.
وفي صورة أو وصف الإبل العُمانية الأصيلة يستند د. الحجري إلى وصف ذي الرمة لناقته، وهو شاعر أموي من فحول الطبقة الثانية في عصره.. يقول ذو الرمة:
عُمانية مهريةٌ دوسرية
على ظهرها للحلسِ والكورِ مِحْمَلُ
مفّرجةٌ حمراءُ عيساءُ جَوْنَهٌ
صهابية العثنونِ دهماءُ صَنْدَلُ
تراها أمام الركب في كل منزلٍ
ولو طالَ إيجافٌ بها وَتَرحُّلُ