تنفرد سلطنة عُمان بوضع مميز وشديد الأهمية في خارطة كتابات وبحوث صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، في سياق اهتمامه بتوثيق تاريخ الخليج العربي. إذ تبرز عُمان حجر زاوية أساسياً في فهم تاريخ المنطقة بأسرها. فسموه لم يتعامل معها كبقعة جغرافية مجاورة فحسب، بل أبحر في أعماق تاريخها لما تمثله من عمق استراتيجي وحاضنة حضارية، ومفتاح لفك شفرات تاريخ الجزيرة العربية والمنطقة كلها، ولذلك فإن عُمان تمثل مادة بحثية ثرية وجديرة بالاهتمام والتنقيب.
ما يميز كتابات صاحب السمو حاكم الشارقة عن عُمان، هو ذلك البحث المستمر والدؤوب عن الحقيقة والرواية التاريخية الناصعة، عبر مراجعة الوقائع وإزالة الشوائب والزيف عن أحداث وسير ومواقف عمل كثير من المؤرخين والمستشرقين على تثبيتها وترسيخها كمسلمات لا تقبل النقاش، وسرديات مطلقة، إلا أن البحوث والمراجعات التي أجراها سموه قادت إلى اكتشافات جديدة، وطروحات مغايرة، وحقائق مختلفة في مواضع كثيرة. وتحقق ذلك بقوة العمل البحثي الذي استهدف المراجع والمصادر الأصلية والمخطوطات النادرة، وشمل محاكمات نقدية لما كُتب بواسطة المحتل نفسه، فقد ظل سموه يؤكد أن «تاريخ عُمان غني ومشرف وأصيل»، إذ تعد عُمان واحدة من أقدم المناطق المأهولة بالسكان في شبه الجزيرة العربية، ويمتد تاريخها الحضاري لآلاف السنين.
ونتيجة لذلك الاهتمام المتعاظم بتاريخ عُمان من قبل صاحب السمو حاكم الشارقة، فقد عمل على ترجمته إلى مشروع بحثي تاريخي كبير، أنفق فيه سموه عقوداً من البحث والتنقيب في دور ومؤسسات ومكتبات حول العالم، شد إليها سموه رحال السعي في عمل دؤوب.
شمل هذا التطواف مراكز في البرتغال وبريطانيا وهولندا والهند والعديد من الدول، من أجل جمع المخطوطات والوثائق والمراجع، والشروع في تنقيتها من زيف خطه يراع التحيز الاستعماري، ليقدم للإنسان العربي والمكتبة العربية مؤلفات وموسوعات كُتبت بمداد الرصانة العلمية والحقيقة الساطعة، لتُعيد كتابة تاريخ عُمان والمنطقة بأيدي أبنائها، فإذا كان التاريخ يكتبه المنتصرون، فإن المنتصرين حقاً هم أصحاب الأرض والقضية.
مرجعيات
خلف كل كتاب حكاية من الجهد تستحق أن تروى منفصلة، لما حملت من معانٍ تبرز الصبر على المادة البحثية والسعي وراء المخطوطات. وقد استقى صاحب السمو حاكم الشارقة معارفه من مقتنياته الشخصية من الكتب النادرة والمراجع الفريدة والمخطوطات الوحيدة، وما تزخر به مكتبة سموه من كنوز الآثار والوثائق والخرائط القيمة، وهو ما يشعر به القارئ مباشرة فور إبحاره في تلك المراجع التاريخية التي ألفها صاحب السمو حاكم الشارقة. وسنتناول هنا بعض هذه المؤلفات التي قدمت إضاءات كاشفة أعانت على فهم حقيقة تاريخ المنطقة.
تعد موسوعة «سلطان التواريخ» من أبرز مؤلفات صاحب السمو حاكم الشارقة، وهي من الأعمال الموسوعية الضخمة الموثقة التي تحتضن تاريخ عُمان والساحل العربي. استغرق إعداد هذه الموسوعة سنوات من البحث العلمي والأكاديمي الميداني الدقيق، وتتألف من أربعة أجزاء رئيسية تغطي مراحل تاريخية مختلفة، هي: «تاريخ عُمان من الاستيطان البشري إلى نهاية الدولة الإباضية»، و«تاريخ الملوك النبهانيين في عُمان 1154م-1622م»، و«تاريخ اليعاربة في عُمان 1622م – 1747م»، و«تاريخ أئمة البوسعيد في عُمان 1749م – 1856م».
يروي الجزء الأول من هذه الموسوعة بدايات التاريخ العُماني، ويذكر القبائل التي استوطنتها، والملوك الذين حكموا البلاد، والأحداث التي جرت من حولهم. ويشتمل الكتاب على خمسة فصول وخمسة ملاحق، ففي الفصل الأول تحدث سموه عن الاستيطان البشري في عُمان، وفي الفصل الثاني أماط اللثام عن ملوك الأزد، وفي الفصل الثالث سلط الضوء على عُمان في صدر الإسلام والعهود التالية، أما الفصلان الرابع والخامس فأفاض الحديث فيهما عن الدولتين الإباضيتين الأولى والثانية في عُمان.
أما الجزء الثاني «تاريخ ملوك النبهانيين 1154م - 1622م»، فيشتمل على تاريخ سلطنة عُمان والمنطقة في فترة زمنية تقارب 500 عام، يسلط فيها صاحب السمو حاكم الشارقة الضوء على ما جرى من أحداث وما دار من وقائع، ويميط اللثام عن أدق التفاصيل بأسلوب تاريخي سردي مشوق وعرض قصصي ممتع، إذ يعد الكتاب سجلاً تاريخياً موثوقاً حافلاً بدقائق الأحداث وتفاصيل الوقائع التي دارت في تلك الفترة في منطقة الخليج العربي. ويمتاز الكتاب بما حواه الملحق الأول «مشجر ونسب الملوك والسلاطين النبهانيين» الذي يعرض تفصيلاً دقيقاً محققاً لسَيْر المُلك فيهم، وورد في الملحق الثاني «عملة ذهبية» تم اكتشافها من قبل هيئة الشارقة للآثار في تنقيبات سور خورفكان، وتعود لفترة حكم السلطان سيف الدين نصرت الذي حكم في الفترة من عام 1272م إلى 1290م.
تحول
تبرز خصوصية الجزء الثالث «تاريخ اليعاربة في عُمان 1622م – 1747م»، متناولاً قيام دولة اليعاربة في عام 1624م وما مثله ذلك من تحول واضح في تاريخ عُمان الحديث، حيث كان من الضروري أن تشهد البلاد بداية مرحلة جديدة من الإصلاح السياسي والاجتماعي من أجل الوحدة وبناء الدولة. وعلى الرغم من أن قيام دولة اليعاربة تزامن مع وجود البرتغاليين على أراضي عُمان وسواحلها، فإن هذه المرحلة بدأت تشهد تحولاً أضعف النفوذ البرتغالي في المنطقة العربية بشكل عام وعُمان بشكل خاص. ويشير صاحب السمو حاكم الشارقة في المقدمة إلى أن هذا الكتاب يتحدث عن شعب نهض في ظروف سيطر فيها البرتغاليون على جميع البحار والموانئ العُمانية، واستطاع محاربة دولة كانت القوة الأشد بطشاً والأكثر ثراءً في المنطقة.
بينما تضمن الجزء الرابع والأخير في هذه الموسوعة «تاريخ أئمة البوسعيد في عُمان 1749م – 1856م»، الكثير من الحقائق والمعلومات عن عُمان في تلك الحقبة التي تناولها صاحب السمو حاكم الشارقة. ويشتمل الكتاب على مقدمة، وتمهيد، وعشرة فصول هي: الإمام أحمد بن سعيد البوسعيد مؤسس دولة البوسعيد، النهضة العُمانية في عهد الإمام أحمد بن سعيد، المهمات الصعبة، مقتل شيوخ بني غافر، الخلف بين أبناء الإمام أحمد بن سعيد، مقتل الإمام سلطان بن أحمد، الأوضاع الخطيرة في عُمان، السيد سعيد بن سلطان إماماً لعُمان، الإمام سعيد بن سلطان والارتباط مع الحكومة البريطانية، والإمام سعيد بن سلطان بين عُمان والسواحل.
مواجهة وانتصار
دعم صاحب هذه الموسوعة الفريدة إصداراته بالملاحق التي تتضمن وثائق نادرة وخرائط فريدة وصوراً لعملات وقطعاً أثرية نفيسة تم العثور عليها في الشارقة، فالكتاب هو نتاج البحث العلمي الجاد والدراسة والتمحيص والفحص والتنقيب والغوص في أعماق بطون الكتب. وتعد الموسوعة كنزاً تاريخيّاً ثميناً لما حوته من كشف عن الوقائع والأماكن الأثرية والأحداث التي وقعت على أرض عُمان والساحل العربي، وبما أظهرته من حقائق وما أبرزته من منعطفات في التاريخ العُماني. ويفرد الكتاب مساحات واسعة لتاريخ ملوك وسلاطين عُمان، ومواجهتهم للاحتلال وانتصارهم عليه وطرده، إذ يشير صاحب السمو حاكم الشارقة إلى أن تلك المواجهة والانتصار دليل على قوة الوطنية عند أهالي هذه المنطقة، بداية من زمن قوم عاد وصولاً لمحاولات الفرس لاحتلال المنطقة، ثم اليعاربة والبوسعيد الذين ورثوا شرق إفريقيا وأخرجوا منها البرتغاليين وتمددوا حتى موزمبيق، حيث كانت تمتد حدود عُمان.
منعطفات
إلى جانب تلك الموسوعة، أصدر صاحب السمو حاكم الشارقة عدة كتب تركز على أحداث محددة شكلت منعطفات خطرة في تاريخ عُمان والمنطقة، من أبرزها كتاب «البرتغاليون في بحر عُمان (أحداث في حوليات من 1497م إلى 1757م)»، وهو مؤلف بالغ الأهمية، ويعد موسوعة تاريخية ضخمة وثقت فترة مهمة من تاريخ عُمان والخليج العربي على مدار 260 سنة. يتكون العمل من 21 مجلداً، ويستند إلى أكثر من 1138 وثيقة تاريخية نادرة، جُمعت وترجمت على مدار 36 عاماً من البحث الدقيق في الأرشيفات البرتغالية والهولندية والبريطانية والهندية.
ويعتمد الكتاب على منهج الحوليات، حيث يسرد الأحداث سنة بسنة، موثقاً تحركات الأساطيل البرتغالية في بحر عُمان، والمعارك التي خاضتها، والاتفاقيات التي أبرمتها مع سلاطين الهند بهدف عزل عُمان عن التجارة الإقليمية. ويكشف المؤلف عن حقائق تاريخية تُنشر لأول مرة، ويعرض رسائل ومؤلفات برتغالية نادرة، ما يمنح القارئ رؤية معمقة لطبيعة الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المنطقة خلال تلك الحقبة.
يفكك الكتاب تفاصيل الغزو البرتغالي العنيف بقيادة ألفونسو دي ألبوكيرك، والمجازر التي ارتكبت بحق سكان المدن الساحلية العُمانية، وتكمن الأهمية الاستثنائية لهذا الكتاب في كشفه لحجم المقاومة الباسلة التي أبداها العُمانيون وأبناء الخليج، مفنداً الرواية الاستعمارية التي حاولت تصوير الغزو كـ«اكتشافات جغرافية سلمية»، ومؤكداً أن ما جرى كان حرباً اقتصادية ودينية للسيطرة على خطوط التجارة البحرية.
رصد
من المؤلفات المهمة كذلك كتاب «القواسم في عُمان»، وصدر في عام 2024، ويعد تكملة بحثية لكتاب سبقه بعنوان «القول الحاسم في تاريخ ونسب القواسم». ويسرد بأسلوب بحثي وعلمي دقيق تفاصيل استقرار القواسم على السواحل العُمانية منذ أوائل القرن السابع عشر (عام 1613م)، مستنداً إلى وثائق ومواد تاريخية نجح المُؤلف في جمعها بعد سنوات طويلة من البحث والتدقيق والرصد المحكم للوقائع والأحداث.
وفي كتاب «حقيقة تاريخ عُمان»، يبحر صاحب السمو حاكم الشارقة في بحور التاريخ البعيدة والعميقة من أجل اكتشاف الحقائق، ويتحدث سموه في هذا الكتاب عن تلك الحقائق التي اكتشفها في تاريخ عُمان، استناداً إلى المراجع التاريخية المثبتة، إذ يقول سموه في مقدمة الكتاب: «الحقيقة ما يجب على الإنسان أن يحميه، وحقيقة تاريخ عُمان واجب عليّ قمت بتحقيقه بكل أمانة». ويعقد الكتاب مواجهة ضد المغالطات والأساطير التي دُست في تاريخ عُمان والخليج من قبل المؤرخين الأجانب أو حتى بعض المستشرقين الذين أساءوا فهم التركيبة القبلية والدينية للمجتمع العُماني. ويهدف الكتاب إلى إرساء قاعدة بحثية متينة للأجيال القادمة، مؤكداً أن حقيقة تاريخ عُمان تكمن في وحدتها، وتسامحها المذهبي، ودورها الحضاري في ربط الشرق بالغرب.
ويفرد كتاب «وصف قلعة مسقط وقلاع أخرى على ساحل خليج عُمان»، الصادر عام 2009، مساحة كبيرة من الاهتمام بالجانب المعماري والعسكري، إذ يستعرض الأهمية الاستراتيجية لقلعة مسقط والقلاع الأخرى. وقام صاحب السمو حاكم الشارقة بتحقيق هذا المؤلف الذي يعود تاريخه إلى القرن الـ17، ويتعرض لبدايات فترة الاستعمار البرتغالي للهند الشرقية ولمنطقة الخليج. والكتاب في الأصل تحقيق يبحث في كتاب الجغرافي البرتغالي بدرو باريتو دي ريسنده بعنوان «وصف قلاع الهند الشرقية»، إذ يتساءل التحقيق عن الكاتب الحقيقي وعن الشخص الذي وضع الرسومات التفصيلية عن القلاع المذكورة.
هيمنة استعمارية
يحضر السرد التاريخي الماتع في كتاب «تقسيم الإمبراطورية العُمانية 1856-1862م»، الصادر عام 1989 في طبعته الأولى، فهو يسلط الضوء على مرحلة مفصلية وحرجة من تاريخ المنطقة، التي تلت وفاة السيد سعيد بن سلطان البوسعيدي عام 1856م. ويكشف الكتاب حقيقة الاستعمار والسعي الغربي نحو الهيمنة، خاصة بريطانيا عبر شركة الهند الشرقية، وكذلك فرنسا، إذ سعت هذه القوى نحو التدخل وفرض «تحكيم كانينغ»، ما أدى في النهاية إلى فصل زنجبار عن مسقط.