بربّك، هل لديك عبارة أدقّ أو أرقّ، لوصف الحالة السياسية العربية، بالرغم من أن في الحالة اثنتين وعشرين حالة؟ أنت محقّ، ففي العنوان نزق.العاقل الرصين يضفي على الصفة السلبية طابعاً علمياً، فيزيائياً مثلاً، مثل انعدام الوزن. بالمناسبة: تراثنا فيه عجائب من الإتيكيت والبروتوكول. تأمل هذه التحية «أبيتَ اللعن». نحن في عصر التشريفات الحريرية، نَعدّ ذلك من العادات الجاهلية.
لكنك إذا تفكرت في ما تختزنه من قيم اجتماعية وسياسية، دار دماغك. أبيت من الإباء، وما أحوج العالم العربي إليه. هذه المفردة تنقلنا إلى العالم الافتراضي، التنمية الافتراضية، الأمن القومي الافتراضي، الدفاع العربي المشترك الافتراضي، لو لم تكن الحياة العامة افتراضيةً، هل كان العرب يجلسون على أشواك أعصابهم، متحرّقين لظهور نتائج الانتخابات الإسرائيلية، وبعدها لما سيسفر عنه الصراع الشديد بين الجمهوريين والديمقراطيين، في الولايات المتحدة؟ قطعاً، لأنهما، إلى أن يأتي ما يخالف ذلك، هما أشدّ تأثيراً في مصير المنطقة العربية من العرب أنفسهم. ومع ذلك فكما لم يقل الشاعر: «لكل شيء إذا ما تم نقصانُ.. فلا يُغرُّ بطول الظلم إنسانُ».
عندما يتبادل الجاهليون التحية «أبيت اللعن» فإن علينا التفكر في سبب انتقاء الكلمة. أصل اللعن في اللغة الطرد. أغلب الظن أن هذه التحية لا تخص مخاطبة الملوك فقط، كما يرى البعض، وحتى لو صحّ الاجتهاد، فإن إباء اللعن يظل قيمةً جديرةً بالحثّ عليها. أنت تأبى الطرد من حِماك، من أرضك، أنت ترفض أن تُسلب سيادتك، وتنهب ثرواتك. أليس على العربي أن يخاف اغتصاب ترابه، وانتهاب مقدراته، وانتهاك مقدساته، سواء في ذلك الذين يطردون الناس من ديارهم، والذين يظاهرونهم على الطرد، أي يساعدون عليه؟
العالم العربي في حقبة انتقالية عصيبة، التراخي فيها مصيبة، تتطلب قفزةً نحو المستقبل، لاقتحام العصر، بالتنمية الشاملة والعلوم والتكنولوجيا، لكنها تستدعي أيضاً تمتين الأواصر بالجذور. الذين يرون التمسك بمنظومة القيم الموروثة انفصالاً عن الحاضر والمستقبل واهمون أو منخدعون. ما أشرف أن تكون أصيلاً أبياً، ترى نفسك في الأمّة، وترى الأمّة فيك. أما الذي يضع وجوده في صندوق انتخابات محددة، فهو لا يأبى اللعن.
لزوم ما يلزم: النتيجة اللغوية: حين تضمن قدرتك على قراع الخطوب، لا تكون تحت رحمة اقتراع غيرك.
