ليست الكتب وحدها سيدة معارض الكتاب ونجمة شهرتها بل تنافسها في ذلك المقاهي، وكأن القهوة رفيقة الكتاب وإعلان غير مباشر عن صداقتهما الوثيقة.
نعرف بأن القراءة لا تكتمل إلا بالجلوس في مكان مريح وهادئ، ويأتي كوب القهوة ليشكل ارتباطاً مميزاً يجعلهما الصورة المثالية للمثقف والكاتب والقارئ والمائدة التي يجتمع حولها الجميع.
لم يعد المقهى مجرد استراحة لزوار المعارض بل استراحة للفكر أيضاً، وعلى مقاعده تصطخب العناوين وتدور الأسئلة ويتحول اللقاء العابر بكاتب إلى حوار ويتحول القارئ النهم من مستهلك إلى كيان يفكر وينتقد ويدفعه فضول المعرفة لاقتناء مزيد من الكتب.
ولأن المعرض هو السوق، فالمقهى هو الذي يروج لهذا السوق والملتقى الذي يدفعنا لنختار الكتب ونتصفح العناوين ونسأل من معنا أو أنفسنا عن الكتب التي نريد اقتناءها ولماذا اخترنا ما اشتريناه منها. ومن هذه المسافة الصغيرة بين الشراء والتأمل يبدأ سؤال هذا المقال: ما الذي كان عليه المقهى يوماً، وما الذي يمكن أن يعود إليه؟
لم يكن المقهى في تاريخه مجرد مكان لتناول مشروب، بل كان فضاءً يتساوى فيه الناس أمام الكلمة. في لندن القرن الثامن عشر أطلق على المقاهي مسمى «جامعات البنس» لأن ثمن فنجان واحد كان يكفي لدخول نقاشٍ في السياسة والعلم والتجارة.
وفي باريس جلس سارتر وسيمون دي بوفوار في مقهى «دي فلور»، فصار المقهى مختبراً للوجودية، تكتب فيه الفلسفة على مرأى من المارة. وفي القاهرة كان لنجيب محفوظ مجلسه الأسبوعي في مقهى ريش وغيره.
وفي دمشق كان الحكواتي يروي السير الشعبية في المقاهي القديمة، فيحفظ ذاكرة الجماعة بالصوت قبل أن تحفظها الكتب. أما هنا فقد تقاسم المقهى الشعبي هذا الدور مع المجلس حيث تروى حكايات البحر والغوص.
القاسم المشترك بين هذه الصور جميعاً أن المقهى كان مكاناً للإصغاء والتعلم وكان الجالس فيه يأتي ليسمع ويسمعه الآخرون. وتغير المقهى اليوم، وصار أكثر انتشاراً من قبل غير أن وفرته لا تخفي حقيقة عزلة رواده وتغير أنواع النقاشات والحوارات فيه.
إن استعادة الدور لا تعني الحنين إلى مقهى الأمس، ولكن أن يعود المقهى مكاناً يطرح فيه سؤال، ويقرأ فيه نص ويلتقي فيه غريبان على فكرة. وقد يبدأ ذلك بأشياء بسيطة كوجود كاتب يوقع كتابه بين الزبائن، فالمقهى لا يحتاج إلى أن يصبح مؤسسة ثقافية، بل إلى أن يتذكر أنه كان كذلك ذات يوم.
