موعد سنوي لا يشبه سواه يتجدد في الشارقة، تتزين فيه الإمارة بالكتب، وتفتح أبوابها للعقول والأفكار والحكايات، ويصبح الكتاب نجم المشهد، والكاتب ضيفاً عزيزاً، والقارئ صاحب العرس الحقيقي. إنه معرض الشارقة الدولي للكتاب، الذي لم يعد مجرد تظاهرة ثقافية تتجدد كل عام، بل تحول إلى عيد للمعرفة والإبداع، وواحد من أهم المواعيد الثقافية التي ينتظرها المتخصصون في النشر والكتّاب وعشاق القراءة.
بلغ المعرض دورته الخامسة والأربعين، والتي تحمل شعار «من صنع الحكايات»، ليؤكد مرة جديدة أن الشارقة لا تحتفي بالكتاب بوصفه سلعة تُباع وتُشترى، وإنما باعتباره جسراً يصل الإنسان بالمعرفة، ويصون ذاكرة الشعوب، ويفتح أمام الأجيال آفاقاً جديدة للبحث والاكتشاف والتعمق في التفكير.. وهذا المعنى كان حاضراً بوضوح في كلمة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، الذي ارتقى بالثقافة وتحدث عنها باعتبارها مسؤولية، لافتاً إلى أن تنمية الإنسان تبدأ بالعناية بعقله ووعيه.. ولعل ما أعلنه سموه من إطلاق 143 مجلداً من «الموسوعة العربية الشاملة في العلوم والآداب والفنون والأعلام»، بمشاركة أكثر من 1500 متخصص، لهو خير دليل عملي على أن «مهرجان الشارقة الثقافي» الذي يتجسد في المعرض، لا يكتفي بالاحتفاء بالمنجز، بل يصنعه ويؤسس لاستدامته. كذلك إطلاق «جائزة هارون الرشيد» لتكريم العلماء والمبدعين، وهي مبادرة تحمل في اسمها رسالة تتجاوز حدود التكريم إلى إعادة قراءة التاريخ وإنصاف شخصياته.
اختيار حاكم الشارقة هارون الرشيد اسماً لجائزة تحتفي بالعلم والأدب والفنون، يستحق التأمل؛ إذ إن هذه الشخصية التاريخية طالها كثير من التحامل والتشويه، واختُزلت في صور نمطية تناقلتها أجيال، بينما كان لها إسهام بارز في رعاية العلم والترجمة والآداب، وفي ازدهار الحضارة العربية والإسلامية.. والمقصود إعادة الاعتبار إلى ما يستحق التقدير من منجزات من صنعوا التاريخ وتركوا بصمات خالدة.
هكذا تصنع الشارقة حكايتها كل عام، متجاوزة الإبهار البصري والمظاهر، لتذهب دائماً إلى العمق حيث تُبنى العقول وتتغذى من القراءة والمعرفة، وحيث ينمو الإبداع، فاتحة الأبواب أمام آلاف بل ملايين الضيوف والزوار ليجتمعوا في رحابها، من مؤلفين وناشرين إلى قراء من مختلف الأعمار والجنسيات.. وحين يصبح الكتاب عيداً، وتتحول الثقافة إلى مشروع حضاري، لا يعود المعرض مجرد حدث في أجندة الإمارة، بل يصبح عنواناً لهويتها ورسالتها إلى العالم: الأمم التي تقرأ وتعرف تاريخها وتكرّم مبدعيها، هي الأمم الأقدر على صناعة مستقبلها.
