الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

البرازيل والشعبوية اللاتينية

5 نوفمبر 2026 00:27 صباحًا | آخر تحديث: 5 نوفمبر 2026 00:29 صباحًا
دقائق القراءة - 2
شارك
share
اختارت البرازيل نفسها، ورفضت الالتحاق بركب الدول الأمريكية اللاتينية الأخرى التي انضوت تحت عباءة الولايات المتحدة، بعد تمكين اليمين المتطرف الشعبوي من الفوز فيها، بغضّ النظر عن مشروعية التحولات التي حدثت في تلك الدول، لتحافظ البرازيل على ديمقراطيتها وسيادتها، وتؤكد رفضها القاطع لأن تكون ساحة خلفية لأيّ أحد.
لم يكن فوز المرشح اليساري لولا دا سيلفا بولاية رابعة مجرّد مفاجأة استثنائية مدوّية، على الصعيدين، الشخصي والسياسي، فحسب، بقدر ما شكل انتكاسة لأصحاب الرهانات على تحول ديمقراطية كبرى بحجم البرازيل، إلى جمهورية موز أخرى تدور في فلك الولايات المتحدة وإسرائيل. بهذا المعنى، لم تكن الانتخابات البرازيلية انتخابات عادية أجريت في سياق عملية ديمقراطية يفترض أنها كانت تسير في ظروف طبيعية تخضع لرغبة الناخبين واختيارهم الحر، من دون أي عراقيل، أو معيقات، أو تدخلات خارجية.
لم تكن الأمور كذلك على الإطلاق، فالمرشح اليميني الشعبوي فلافيو بولسونارو، كان متقدماً على دا سيلفا بفارق نقطتين، على الأقل، في الجولة الأولى من الانتخابات، إلى الحد الذي جعله يتلقى الترحيب من إدارة ترامب والتهاني من نتنياهو ومعها دعوة لزيارة إسرائيل.
للوهلة الأولى، تبدو نتيجة الانتخابات وكأنها خالفت كل التوقعات واستطلاعات الرأي التي حملت تباشير فوز بولسونارو، وأيضاً صادمة لأصحاب تلك الرهانات، ولكنها كانت أعمق من ذلك بكثير. ذلك أن البرازيل تمكنت من لجم الاندفاعة اليمينية المتطرفة والشعبوية في دول القارة الأمريكية اللاتينية، حين أدرك البرازيليون أن المسألة لم تعُد تتعلق بالتغيير والبرامج السياسية، مع الفوارق الكبيرة بكل تأكيد، وإنما لأن المسألة باتت تتعلق بالهوية البرازيلية، وبالمؤسسات الديمقراطية، والسيادة الوطنية، التي كان يراد وأدها أسوة بغيرها من الدول المجاورة. وبالتالي، فإن ما حدث كان نوعاً من الانتفاض للحفاظ على الكرامة، والديمقراطية، والسيادة، إلى الحد الذي جعل الكثيرين ممن اختلفت برامجهم السياسية مع داسيلفا يتوحدون خلفه لإسقاط اليمين الشعبوي، ويمنحوه تفوقاً قارب أربعة ملايين ونصف المليون صوت.
ولو عدنا لتفحص الواقع البرازيلي لوجدنا أن المفاجأة التي تحققت ولدت من رحم المعاناة التي فرضتها تحالفات داخلية نشأت بين كارتلات العصابات المحلية، والعائلات الرأسمالية المدعومة من الخارج ليس فقط لإسقاط نظام الرئيس العمالي، وإنما لإحداث تغيير جيوسياسي يطال هوية البرازيل نفسها. أي نقل البلاد من الديمقراطية والوزن السياسي والاقتصادي، وأحد أعمدة مجموعة «بريكس»، إلى الاصطفاف في مواقع الجوار اللاتيني المتطرف والشعبوي، على غرار الأرجنتين وتشيلي وكولومبيا، وغيرها من دول القارة، والتي أسعدت الكثيرين من أنصار هذا التيار في الخارج. لكن النتيجة النهائية جعلت من البرازيل حائطاً منيعاً لصد مثل هذه المحاولات، على الرغم من الدعم الخارجي للمرشح الشعبوي، والأدوار التي لعبتها أجهزة الاستخبارات ومنها «الموساد»، والتي بالكاد تمكنت من تهريب بولسونارو الابن إلى خارج البلاد ليحط رحاله في الولايات المتحدة.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة