الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

أمريكا ليست بحاجة لذهب العالم

5 نوفمبر 2026 21:20 مساء | آخر تحديث: 5 نوفمبر 2026 21:54 مساء
دقائق القراءة - 3
شارك
share
هناك ظاهرة تثير الكثير من الأسئلة لدى أولئك الذين يتابعون الظواهر الاقتصادية بشكل سطحي دون تعمق أو سابق علم ومعرفة. ومن هذه الظواهراليوم متابعة كميات هائلة من الذهب تغادر الولايات المتحدة لدرجة تجعلك تتوقع تقريباً أن يرسل البيت الأبيض قوات لحراسة الموانئ الأمريكية.
فقد أعلنت هولندا في أوائل سبتمبر أنها نقلت جزءاً كبيراً من احتياطياتها من الذهب من نيويورك إلى لندن، كما اتخذت دول أوروبية أخرى خطوات مماثلة.
ولا يتطلب الأمر الكثير لإثارة ضجة على الإنترنت، لكن خروج الذهب من الولايات المتحدة أطلق العنان لتكهنات محمومة على وسائل التواصل الاجتماعي تفوق في كثافتها قدرة أقوى رقاقة من إنتاج شركة «إنفيديا» على المعالجة. ثمة مشكلة واحدة فقط، هذه الهستيريا لا داعي لها، فأمريكا ليست بحاجة إلى ذهب العالم.
لا أحد ينكر أن وتيرة خروج الذهب من الخزائن الأمريكية تتسارع - ويعود ذلك جزئياً إلى التوترات بين أوروبا والولايات المتحدة. فقد صرح أولاف سليجبن، المسؤول في البنك المركزي الهولندي، بأن نقل 86 طناً من الذهب خارج الولايات المتحدة وكندا كان «ضرورياً لتعزيز مرونتنا وجاهزيتنا».
وفي وقت سابق من هذا العام، أتم بنك فرنسا عملية استعادة احتياطياته من الذهب، حيث باع ال 129 طناً المتبقية التي كانت محفوظة لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. وخلال منتصف العقد الماضي، شحن البنك المركزي الألماني مئات الأطنان من الذهب إلى الوطن، وهو يواجه الآن ضغوطاً لنقل المزيد. وقد وصف إيمانويل مونش، الرئيس السابق لقسم الأبحاث في البنك المركزي، الولايات المتحدة بأنها مكان «عالي درجة المخاطر» لحفظ أصول قيمة كهذه.
هناك شيء ما يتعلق بالذهب يثير نظريات المؤامرة - تماماً مثل الهبوط على سطح القمر واغتيال كينيدي - فقد تكهن اقتصاديون ومعلقون بارزون بأن الولايات المتحدة قد تستولي على الذهب الأجنبي. إذا سألت بعض الأوساط على الإنترنت عن ظاهرة «نزوح الذهب»، فسيخبرونك بأن الأوروبيين يستعدون لحرب اقتصادية شاملة مع الولايات المتحدة، أو أن الدولار على وشك الانهيار. أو ربما تخطط البنوك المركزية الكبرى في العالم لعودة دراماتيكية إلى نظام «معيار الذهب». إنها كلها أمور مسلية لمن يرغب في تصفح الزوايا الأكثر غرابة وإثارة للجدل على منصة «إكس» (تويتر سابقاً).
ومع ذلك، لا ينبغي أخذ أي من هذه الأقوال على محمل الجد، فالذهب يغادر الولايات المتحدة لأسباب عادية للغاية ومملة. فخلال الحرب العالمية الثانية، شُحنت كميات كبيرة من الذهب خارج أوروبا لأن الاحتياطيات كانت أكثر أماناً في الولايات المتحدة مقارنة بأوروبا. واستمر هذا الوضع خلال الحرب الباردة، نظراً لأن مدينة فرانكفورت الألمانية - حيث تحتفظ ألمانيا بمعظم احتياطياتها من الذهب - كانت عرضة للسقوط في حال حدوث غزو سوفيتي لأوروبا الغربية. وعلاوة على ذلك، وفي ظل نظام «بريتون وودز» القديم، كان الذهب يمثل الضمانة النهائية لأسعار الصرف شبه الثابتة، إذ كانت هناك حاجة أحياناً لنقل ملكية الذهب من سجلات دولة إلى أخرى، وكان من المنطقي حينها الاحتفاظ بمعظم الاحتياطيات في مبنى واحد.
لقد فقدت كل تلك الأسباب أهميتها بالنسبة لمعظم الدول منذ عقود، ولم يعد للذهب سوى أهمية ضئيلة في الاقتصاد الحديث، غير أن تفكيك النظام القديم استغرق وقتاً طويلاً.
لكن ثمة تفسير واحد وجيه لسبب نقل الذهب في الوقت الراهن، فقد تكون بعض القوى الأوروبية بصدد إرسال إشارة مبطنة إلى إدارة ترامب مفادها أن فقدان ثقة الحلفاء الأمريكيين ينطوي على عواقب مالية. ففي النهاية، يُعد الذهب السلعة المفضلة لدى الرئيس دونالد ترامب - ويكفي النظر إلى قاعة الاحتفالات الباذخة والمتلألئة في البيت الأبيض للتحقق من ذلك.
وإذا أرادت دولة ما توجيه انتقاد غير مباشر للرئيس بسبب محاولته ضم جزيرة غرينلاند أو فرض رسوم جمركية على سيارات «بي إم دبليو»، فإن استعادة ذهبها إلى الوطن ستكون خطوة أولى ممتازة، إذ من شأن ذلك أن يثير حفيظة ترامب دون التسبب في نزاع دبلوماسي كبير.
غير أن إعادة الذهب إلى الوطن لا تحمل أي دلالة فعلية على أرض الواقع، ففي ظل صعود العملات المشفرة كأصل بديل، تراجعت أهمية الذهب أكثر من أي وقت مضى، سواء كأداة لحفظ القيمة في حال استمرار ارتفاع التضخم أو كغطاء داعم للدولار. لا تزال الولايات المتحدة تمتلك من الذهب أكثر مما تمتلكه أي دولة أخرى.
* كاتب عمود متخصص في الشؤون المالية

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة