تخيّل أن طاقم طائرة يحاول التأكد من عدد الركاب من خلال عد المقاعد الفارغة بدلاً من عدّ الركاب الجالسين فعلياً. تبدو الطريقة منطقية وسريعة. فعدد المقاعد المشغولة يمكن أن يساوي إجمالي المقاعد مطروحاً منه المقاعد الشاغرة. لكن هذه الحسبة تصبح مضللة بمجرد أن يتغير موقع أحد الركاب أو يترك مقعده مؤقتاً.
هذه الصورة البسيطة تصلح استعارة لحالة إدارية أكثر عمقاً أقترح تسميتها عقلية المقعد الفارغ. بعض المؤسسات لا تعاني نقص الموارد بقدر ما تعاني سوء قراءة الموارد التي تمتلكها. فهي تنظر باستمرار إلى المقاعد الفارغة، أي إلى ما ينقصها، وما لم يتحقق، وتنسى النظر إلى المقاعد المشغولة، أي إلى القدرات والأصول والإمكانات الموجودة أمامها بالفعل.
تظهر هذه العقلية في المراجعات الاستراتيجية عندما تتمحور النقاشات حول الميزانية غير الكافية، والشواغر الوظيفية، ونقص الخبرات، وضعف الأنظمة، أو محدودية الموارد التقنية. فتصبح الفجوة نفسها جزءاً من تفسير الأداء، وأحيانا تتحول من تشخيص موضوعي إلى مبرر دائم لعدم التحرك.
المشكلة هنا ليست في الاعتراف بالنقص، فالمؤسسات تحتاج إلى تشخيص فجواتها ومعالجتها. لكنّ هناك فارقاً جوهرياً بين إدارة النقص وعقلية النقص. إدارة النقص تعني أن تعرف الفجوة وتحدد أثرها وتضع خطة لمعالجتها. أما عقلية النقص فتعني أن تصبح الفجوة العدسة التي ترى المؤسسة من خلالها كل شيء. في الحالة الأولى يكون النقص متغيراً إدارياً يجب التعامل معه، وفي الثانية يتحول إلى ذريعة تفسر لماذا لا يمكن فعل شيء.
ففي كثير من الأحيان، لا تكون المشكلة في غياب الموارد، بل في عدم القدرة على تحويلها إلى قيمة. قد تمتلك المؤسسة موظفين أكفاء، وبيانات ضخمة، ومنصات رقمية، وسمعة جيدة، لكنها لا تتعامل معها باعتبارها أصولاً استراتيجية. فتظهر هنا واحدة من أخطر صور المقعد الفارغ، وهي أن يكون المقعد مشغولاً لكن المؤسسة لا ترى القيمة الكامنة في الشخص الذي يجلس عليه.
هذه العقلية تنعكس أيضاً على إدارة الأداء، فبعض أنظمة التقييم تنظر إلى الموظف من زاوية ما لم ينجزه، والأخطاء التي ارتكبها، والفجوات التي لم يغلقها، دون أن تضع الإنجازات الفعلية أو الظروف التشغيلية في السياق الصحيح. فمثلاً قد يكون الموظف يعمل في فريق ناقص العدد، أو في بيئة تتغير فيها الأولويات باستمرار، أو يستخدم أنظمة قديمة، ثم يُقاس أداؤه بمعايير وضعت في الأصل لظروف أكثر استقراراً.
الحل هنا ليس الانتقال من ثقافة تصيد النواقص إلى ثقافة تجاهل النواقص. التقييم الإداري الناضج يجب أن يوازن بين الفجوة والإنجاز، وبين النتيجة والظروف التي تحققت فيها، وبين ما تم إنجازه وما كان يمكن إنجازه لو توفرت موارد إضافية.
وتزداد أهمية هذه الفكرة في عصر الذكاء الاصطناعي، فالنقاش حول هذه التقنية كثيراً ما ينطلق من عقلية المقعد الفارغ، ولكن بصورة مختلفة. فترتفع التساؤلات عن الوظائف التي ستختفي والمقاعد التي ستصبح فارغة.
الذكاء الاصطناعي قد يلغي بعض المهام، ويعيد تصميم بعض الوظائف، لكنه في الوقت نفسه سيخلق فرصاً جديدة لإعادة توزيع العمل بين الإنسان والتقنية. أعتقد أن القيمة هنا لا تختفي بالضرورة، بل تنتقل من تنفيذ المهام الروتينية إلى مجالات أكثر تعقيداً مرتبطة بصناعة القرار والابتكار والرقابة.
وهذا المنطق لا يقتصر على الذكاء الاصطناعي، فالمؤسسات التي تبني استراتيجياتها على ما تتمنى امتلاكه تقع في الفخ نفسه. قد تقول مؤسسة إنها لا تستطيع الابتكار لأنها لا تملك مختبراً للابتكار، بينما تمتلك أصولاً أخرى لكنها لم تبن آلية لتحويل هذه الأصول إلى أفكار وتجارب وحلول. وقد تقول مؤسسة أخرى إنها لا تستطيع تحسين تجربة المتعاملين لأنها تفتقر إلى ميزانية كبيرة، بينما قد تكون المشكلة الحقيقية في إجراءات معقدة، أو قرارات مركزية، أو ضعف في استثمار البيانات.
قد تحتاج المؤسسة بالفعل إلى مقاعد جديدة، وقد تحتاج إلى موظفين إضافيين، أو ميزانيات أكبر، أو تقنيات أكثر تقدماً. لكن قبل أن تطلب مقعداً جديداً، من المفيد أن تسأل عن المقاعد الموجودة، فربما لا تكمن المشكلة في أن لدينا مقاعد فارغة، بل في أن لدينا مقاعد مشغولة لا نعرف كيف نستثمرها. وهنا يظهر الفرق بين قيادة تقوم بإحصاء الموارد، وقيادة تصنع القيمة.
* مفكر واستشاري إداري
