عندما تضيق المساحة بين استمرار الحرب والتسوية السياسية، تصل الأزمات والصراعات عملياً وسياسياً إلى مرحلة النضج، حيث تدرك الأطراف أن كلفة استمرار القتال أصبحت أعلى بكثير من المكاسب المتوقعة، وأن الحسم العسكري الكامل بات مستحيلاً، لذلك تتحول الخيارات في هذه المساحة الضيقة والحرجة، من السعي وراء «النصر المطلق» إلى البحث عن «أهون الشرين»، فتتشكل ملامح المشهد من خلال ديناميكيات أساسية، تتمثل باستراتيجية التفاوض تحت النار، حيث يشتد القتال وتتسع مساحة الهجمات المتبادلة، ويحاول كل طرف تحسين موقفه التفاوضي من خلال امتلاك أوراق قوة لفرض شروطه على طاولة المفاوضات. وهنا تبرز معضلة «التنازلات المتبادلة» وكيفية تسويقها لشعوبهم بعد سنوات من طرح شعارات النصر، ورفض تقديم التنازلات.
هذا هو حال الحرب «الروسية ـ الأوكرانية» التي ما زالت تراوح مكانها منذ أكثر من ثلاث سنوات من دون أن تتمكن كل الجهود المبذولة، وخصوصاً الأمريكية من التوصل إلى حلول سياسية لها.
وهنا تبرز الدبلوماسية الإبداعية كعامل مؤثر في الصراعات. فالتاريخ السياسي يبين أن كثيراً من الصراعات التي بدت في لحظة معينة أنها عصية على الحل لم تكن مستحيلة التسوية، بقدر ما كانت تفتقر إلى التصور السياسي القادر على إعادة تعريفها وإخراجها من سجن الخيارات الضيقة.
وعندما يتم اختيار أبوظبي مكاناً لاجتماع ثلاثي «أمريكي ـ روسي ـ أوكراني» يومي 10 و11 الشهر الحالي في مسعى جديد لدفع مفاوضات السلام قدماً، وبحث الترتيبات الأمنية لما بعد الحرب، وخفض التصعيد، والجهود الإنسانية، والخطوات المقبلة نحو السلام، حسب ما أعلن المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي ستيف ويتكوف، فإن اختيار الإمارات تحديداً دون غيرها، يعكس مكانتها الدولية الموثوقة، ولأنها تحظى باحترام وتقدير كبيرين، وثقة متبادلة من جميع الأطراف، بفضل سياستها المتوازنة وعلاقاتها الوثيقة مع كل من روسيا وأوكرانيا، كما أن دبلوماسيتها النشطة تجعلها منصة مثالية وآمنة لجذب الأطراف المتصارعة إلى طاولة المفاوضات. وقد لعبت هذه الدبلوماسية دوراً إنسانياً أساسياً في 27 مبادرة أدت لإطلاق سراح 8,537 أسيراً ومحتجزاً من الجانبين الروسي والأوكراني، وكان آخرها الشهر الماضي حيث تم إطلاق سراح 540 أسيراً مناصفة بين موسكو وكييف.
إن دولة الإمارات التي تكرس جهودها لتقريب وجهات النظر، ودعم التسويات السياسية، لإنهاء الحرب وبناء جسور التواصل والحوار وخلق بيئة آمنة للمفاوضات، إنما تقوم بذلك انطلاقاً من مسؤوليتها الإنسانية والدولية، في تخفيف التداعيات الإقليمية والدولية للأزمة. كما تلعب الإمارات دوراً في تقليص مساحة الخلافات والمواقف المتعارضة، باعتبار أن المفاوضات ليست وسيلة لانتصار طرف على آخر بشكل مطلق، بل هي عملية تبادل وتنازلات مدروسة، تهدف للوصول إلى حلول مقبولة للطرفين وتجنب كلفة الحرب.
وإذا كانت الأيام الأخيرة شهدت تصعيداً عسكرياً متبادلاً، مع مواصلة الهجمات الجوية على المراكز اللوجستية والمدن والمرافق المدنية ومحطات الطاقة والسفن في البحر الأسود، فذلك يكون في الغالب جزءاً من وسائل الحرب، لتحسين شروط التفاوض من جهة، وورقة ضغط لانتزاع تنازلات سياسية أو أمنية خلال المفاوضات، أو فرض أمر واقع جديد.
ومع ذلك تبقى منصة أبوظبي المكان المناسب، لمفاوضات قابلة لتحقيق حلول متوازنة ومستدامة، والتخفيف من كلفة حرب طال أمدها.