عَمِلَ في جهة معرفية ذات شأن، كان نصيبه في العمل في مكان يعشق طبيعته، ويتوافق مع طبيعته وميوله، في المكتبة العامة، حيث يساعد المرتادين في الحصول على ما يبحثون عنه، أو يوفر لهم المتطلبات التي يتطلعون لها بحضورهم لمكتبة عامه، كان يقضي وقت فراغه، إن وجد، في زيادة حصيلته من المعرفة بالقراءة الممنهجة الصحيحة، مما يجعل كذلك مهمته أسهل في الإرشاد والتوجيه لمرتادي المكتبة وأقسامها المختلفة.
مع الوقت، أصبح أحد المثقفين النوعيين المميزين، وأحد البارزين في التعريف بالكتب ومحتواها، وأحد أميز المحاورين لسعة اطلاعه وتنوع معارفه، ولأنه يخشى تسرب الوقت من بين يديه، وأن للدقيقة ثمنها في حياته، وإيماناً بمقولة «الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك»، فقد عَمِلَ بكل طاقته ليقطع الوقت بكل جَلَدٍ ومثابرة، مكرساً وقت عمله في الاطلاع والقراءة والتدوين، وموظِّفاً ذلك لصالح عمله ومرتادي المكان، حيث أصبح موسوعة يلجأ إليها كل مرتاد وباحث.
ولكن لأن لكل مجتهد بارز خصوماً وحساداً، تقدم بعض المحيطين به في العمل بشكوى للإدارة المعنية للمكان، معللين شكواهم بأنه «يقرأ الكتب»، ولأن هناك من لا يستوعب أهمية ما يقوم به لخدمة وعيه وخدمة المكان ومرتاديه، تم نقله لعمل إداري مكتبي، من دون أي بحث في طبيعة الشكوى أو وعي بأهمية التفكير خارج الصندوق الذي مارسه، فأضاف لذاته وطبيعة عمله إيجابية تفيده وتفيد وتسهل على غيره.
إنه يقرأ الكتب.. تتحول إلى تهمه وشكوى، وكأن قراءة الكتب تجاوز أو جريمة، متناسين أن الدولة أقرت شهر القراءة، ودعت إلى الاحتفاء بالكتاب، وما جائزة «تحدي القراءة» التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، بعيدة عنهم وعن معرفتهم، وكأن الثقافة والقراءة والمعرفة تهمه، وكأن العمل في حقل هو منبع المعرفة والحصول على المعلومة كالمكتبة العامة، هو مجرد عمل إداري بحت، لا يتطلب تطوير الملَكات والمعرفة والثقافة، وكأنه مجرد إرشاد لمكان كتاب.
ما كتبته ليس من وحي خيالي، بل هو واقع عرفته عن قرب لأحد أصدقاء الثقافة والمعرفة والكتاب.
إنه يقرأ الكتب.. كم هي تهمة يتشرف المرء بها ويستحق عليها التكريم والتقدير، لكنه زمن التفاهة، فهل نحن متعظون؟!
