شككت دراسة اقتصادية حديثة أعدتها الأمانة العامة لدول مجلس التعاون الخليجي في نسب التضخم المعلنة في دول الخليج، محذرة من هجرة الاستثمارات للأسواق الخليجية والذهاب الى أسواق أخرى في العالم بفعل ارتفاع معدلات التضخم .
وقالت الدراسة ان الأرقام المعلنة في دول الخليج غير دقيقة لأكثر من سبب، اولها قيام الحكومات الخليجية بدعم بعض السلع والمنتجات والخدمات بشكل مباشر وغير مباشر، وعدم القيام بمسوحات احصائية للأسعار القياسية وميزانية الأسرة في دول المجلس .
تضيف الدراسة، إن المؤشر الحقيقي الأكثر وضوحا في عكس مستويات التضخم الحقيقية هو معدل دخل الفرد في دول مجلس التعاون الخليجي، لافتة الى أن هناك تناقصاً وتراجعاً واضحاً في قيمة القوة الشرائية لمعدلات دخول الأفراد بالمقارنة مع ما كانت عليه في السنوات القليلة الفائتة .
وقالت الدراسة ان المستويات الحقيقية للتضخم في دول الخليج تتراوح ما بين 50% و100%، بالمقارنة مع الأرقام الرسمية المعلنة، حيث ان التضخم المعلن في قطر يبلغ 14%، لكن النسبة الحقيقية تصل الى 20%، وفي الامارات يبلغ التضخم المعلن 9%، الا أن النسبة الحقيقية تبلغ 15%، أما في المملكة العربية السعودية فالتضخم المعلن يبلغ 5%، لكن الرقم الحقيقي يصل الى 9% .
وأشارت الدراسة الى أن أسباب التضخم في دول الخليج تعود الى النمو الاقتصادي السريع الذي أدى الى ارتفاع الدخل بسبب الارتفاع القياسي في أسعار النفط، وبالتالي زيادة في ايرادات النفط، الأمر الذي أدى بالتالي الى زيادة الانفاق الحكومي، خصوصا في مشاريع البنية التحتية .
وأكدت الدراسة أن جانبا من أسباب التضخم في دول التعاون يعود الى ارتفاع الطلب على السلع الاستهلاكية والناجم عن النمو السكاني السريع والكبير بسبب زيادة أعداد المواطنين والمقيمين في دول مجلس التعاون الخليجي، وبالتالي زيادة الأسعار، فضلاً عن ارتفاعها في دول المنشأ ويعود كذلك الى الارتفاع الموازي في أسعار السلع الرئيسية الداخلة في عمليات الانتاج والنقل، مثل أسعار المحروقات من البترول والغاز، وزيادة قيمة رسوم الخدمات الحكومية مثل الرسوم الجمركية ورسوم الرخص التجارية ورسوم الخدمات الأخرى التي أسهمت في تعزيز ظاهرة ارتفاع الأسعار .
وبحسب تقارير دولية، فإن معدلات التضخم في دول الخليج مرشحة للارتفاع خلال العام الحالي الى مستويات جديدة، ويرى صندوق النقد الدولي أن معدلات النمو في هذا العام ستكون متفاوتة بين تراجع في كل من قطر والبحرين والامارات والكويت، وارتفاع طفيف في سلطنة عمان والسعودية، في حين أن متوسط التضخم قد يصل الى 9% .
وتحدثت الدراسة عن آثار سلبية لارتفاع معدلات التضخم على مناخ الاستثمار في دول مجلس التعاون الخليجي، قائلة ان العديد من رؤوس الأموال والاستثمارات بدأت تعيد النظر في بقائها في دول التعاون، في حين قررت استثمارات أخرى الهجرة من الأسواق الخليجية الى أسواق أخرى في العالم، وهو ما اعتبرته الدراسة انعكاسا لمعدلات التضخم المرتفعة على مستويات دخول الأفراد في دول الخليج، حيث انخفضت القوة الشرائية للعملات الخليجية والقيمة الحقيقية لمعدلات دخل الأفراد، وخصوصا العمالة الوافدة التي ارتفعت أصواتها مطالبة بتحسين أجورها .
وأكدت الدراسة أن احتياطيات النقد الأجنبي لدول الخليج بالدولار واستثماراتها معرضة للتآكل من جراء التضخم وانخفاض أسعار الفائدة في الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك على الرغم من استمرار تدفق العوائد النفطية الخليجية من النقد الأجنبي الى السوق الأمريكي على شكل ودائع واستثمارات .
وأطلقت الامانة العامة لمجلس دول التعاون تحذيرات من ان ظاهرة التضخم وارتفاع الاسعار تشكل قلقا في الشارع الخليجي، سواء بالنسبة للمستثمرين او المستهلكين، او حتى بالنسبة للحكومات والهيئات المعينة بسبب آثارها وانعكاساتها السلبية على مجمل الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية .
ولفتت الدراسة الى ان من بين تلك الآثار، قيام بعض دول التعاون بالتعبير عن رغبتها في تأجيل العمل بمشروع العملة الخليجية الموحدة المقرر عام ،2010 بسبب ضعف الدولار وارتفاع معدلات التضخم واختلافها بين دول المجلس .
وطالبت الدراسة جميع الجهات المعنية بالعمل على الحد من الآثار السلبية للضغوط التضخمية من خلال اعادة النظر في ربط عملات دول المجلس بالدولار، وتسريع خطوات الوصول الى العملة الخليجية الموحدة، وامتصاص السيولة الهائلة من الاسواق المحلية، وتشديد الرقابة على اسعار السلع والخدمات والحد من ارتفاع الايجارات .
وقالت الدراسة ان غياب الرقابة عن الاسعار من طرف المؤسسات المعنية اعطى شريحة التجار الموردين وتجار الجملة والتجزئة فرصة للتلاعب بأسعار السلع والبضائع، خصوصا السلع الاستهلاكية الاساسية .
وفي معرض تناولها لآليات مواجهة التضخم في دول مجلس التعاون الخليجي، قالت الدراسة ان الامارات زادت رواتب موظفيها بنسبة70%، والبحرين بنسبة 10%، وسلطنة عمان بنسبة 43%، والكويت بمعدل 120 دينارا، والسعودية بنسبة 5%، جنبا الى جنب مع سياسات دعم اسعار بعض السلع الاساسية التي تقدمها الحكومة، كما نوهت الدراسة بإعلان الكويت فك ارتباط عملتها بالدولار كعملة وحيدة لكبح آثار الضغوط التضخمية المستوردة من الخارج .
ووجهت الدراسة انتقادات للسياسة النقدية المعمول بها في دول مجلس التعاون الخليجي، وقالت ان هذه السياسة غير فاعلة، لأنها أدت الى تزايد حجم السيولة النقدية في الاسواق المحلية في دول المجلس، مما انعكس على تزايد معدلات التضخم