بعض العناوين تقودك مباشرة إلى ما تحتويه أفلامها، لا تدعك تتكهن حول الاتجاه الذي يسلكه العمل أو لماذا يحمل هذا الاسم؟ تماماً مثل الفيلم الذي نتناوله اليوم، والذي أعاق الوباء وصوله إلينا في الشتاء، لنراه حديثاً عبر المنصات. إنه فيلم «صندوق الدنيا» الذي لم يفاجئنا مؤلفه ومخرجه بتقديم قصص تتلاقى وتتباعد، نماذج من قصص الحياة وحكايات البشر، حيث يفتح صندوق الدنيا ويختار ما يحب تسليط الضوء عليه، وما علينا التأثر به.
«في يوم وليلة»، يختصر عماد البهات مؤلف ومخرج «صندوق الدنيا» (شاركه في التأليف أسامة حبشي) نظرته الفلسفية للحياة، ولا نقول نظرته الواقعية، لأن كل ما اختاره حقيقي، وشخصياته من لحم ودم تشعر بأنك قد تصادفهم في الشارع، لكنه لم يرنا من حيواتهم سوى الجانب الحزين بل القاتم، بينما الواقع مرسوم بكل ألوان الدنيا بما فيها الأسود والرمادي والأبيض. وكمعظم الأفلام الحديثة، يغريك الفيلم بقائمة من أسماء النجوم الذين يتشاركون البطولة، فتتحمس للمشاهدة لثقتك باختيارات غالبيتهم للأعمال بعناية، خصوصاً أن بعضهم لا يعمل إلا في أفلام من العيار الثقيل.
خالد الصاوي، رانيا يوسف، باسم سمرة، فرح يوسف، صلاح عبد الله، أحمد كمال، علاء مرسي وعمرو القاضي، مع الطفل رابي ابن النجم عمرو سعد، وعبور سريع لجيهان خليل ومروة الأزلي. تشكيلة مغرية لأدوار كلها رئيسية، متساوية في التأثير بالأحداث وبالمشاهد، ومتقاربة بمساحة ظهورها على الشاشة، وهي الركيزة الأساسية للفيلم، حيث اعتمد البهات على أداء النجوم وبراعتهم في إيصال القصص ومعانيها إلى الجمهور، أكثر من اعتماده على الإخراج أو الإبهار بالتصوير وحركة الكاميرا أو الألوان.
ليس العنوان وحده الذي يدخلك مباشرة إلى عمق القصة وتفرعاتها، بل مقدمة الفيلم أيضاً، والتي يمكن القول إنها تختصر في نحو ثلاث دقائق كل ما يريد قوله البهات وحبشي في مجمل التسعين دقيقة، وهي مدة الفيلم. نرى في البداية مراهقاً يجلس على كرسي يتفرج على عروض لعرائس الماريونيت (الدمى) عنوانه «صندوق الدنيا»، أحدها لرجل سعيد مع حبيبته الجميلة، تدخل عليهما تدريجياً مجموعة شخصيات تبدو طيبة. الكل يرقص بفرح حتى لحظة وصول ساحرة (شريرة طبعاً) تعارك معها الرجل، تغلب عليها أكثر من مرة ثم قطعت رأسه، ثم قضت على الآخرين كل بدوره. في هذه الأثناء يجد المراهق نفسه مرفوعاً بخيوط تحرك ذراعيه مثل الدمى. ينتهي «تتر» الفيلم على هذا المشهد لننتقل إلى سائق «الميكروباص» عبد الدايم (باسم سمرة) نائماً فوق المقود، يصحو مفزوعاً وهو ينادي على ابنه علي (رابي سعد) الجالس في الكرسي خلفه. إنه كابوس أخاف السائق على ابنه المراهق، فيطلب منه الجلوس بجانبه، ثم تأتي مجموعة نسوة برفقة رجل يطلب من عبد الدايم أخذهن لزيارة «الحسين» في القاهرة وإرجاعهن. الرحلة من الصعيد إلى العاصمة طويلة، يستغلها السائق ليخبر ابنه عن القاهرة أو «مصر» كما يسميها، التي لها «ألف باب، وتحتاج إلى ألف وجه كي تعرف تدخلها».
مع وصول عبد الدايم إلى أحد ميادين وسط القاهرة، يطلب من ابنه النزول إلى أقرب محل ليشتري له سجائر والعودة سريعاً، يتوه الابن ويضطر الأب للتحرك من مكانه. هنا تدخل شخصيات جديدة على الخط، رجل يسأله علي عن الميدان عله يجد مكان أبيه، وآخر نراه يأخذ كيساً أسود ويركض مسرعاً في الشارع.
فقرات
يقسم المخرج عمله إلى فقرات، لكل فقرة عنوان مثل: الحلم، الرهان، آخر نفس.. وفي كل فقرة نكتشف وجهاً جديداً ونتعمق أكثر في قصته، والشخصيات كلها تلتقي في شارع واحد، مجموعات صغيرة لا يربطها ببعضها البعض سوى خيوط بسيطة.
وكأنه لا يكفي حزننا على ضياع علي من أبيه، حتى يأتي أحدهم هارباً وسط الشارع، فيركب الميكروباص طالباً من عبد الدايم التحرك بسرعة، بعدما توقف بانتظار أن يظهر ابنه من جديد. يرفض السائق التحرك قبل عودة ابنه، فيطعنه الرجل ويسرق منه الميكروباص.
ربى (فرح يوسف) زوجة الشاعر آدم، التي تقيم علاقة بالريجيسير حاتم (عمرو القاضي) علها تعود إلى العمل في السينما. آدم (خالد الصاوي) انتقل من كتابة الشعر إلى الروايات وآخرها «ممرات الخوف»، لأن «الشعر لم يعد له مجال ولا قراء». يائس بسبب خيانة ربى له، وهنا نكتشف أن من كان يركض ومعه الكيس الأسود، إنما يحمل فيه مسدساً لآدم. يدخل على الخط المهرج عصفور (أحمد كمال) وهو الصديق الصدوق لآدم، يحاول مده بالتفاؤل، ويمنعه من ارتكاب جريمة قتل ربى. عصفور هو رمز التفاؤل الوحيد في هذا الفيلم، لكنه لا يكفي وسط كل تلك الكآبة والسوداوية.
حكاية أخرى تدخل على الأحداث، وهي حكاية مرجيحة الأبكم (علاء مرسي) الذي يحب فاطمة (رانيا يوسف) سكرتيرة الدكتور خالد (صلاح عبدالله)، يشجعه عصفور كي يبوح لها بمشاعره، فإذا به يصدم بزواجها العرفي من الدكتور وبنفس تلك الليلة. وسريعاً ما تصدم فاطمة هي الأخرى بوقوعها فريسة طبيب مخادع، تزوجها داخل عيادته وبعد ساعات سرق منها ورقة الزواج واختفى.
الكل ينتهي به الأمر في الشارع: فاطمة ومرجيحة، آدم وعصفور، المراهق علي المتفرج على ما يحصل، وفي الوسط لاعب النار الذي يؤدي ألعاب الخفة والقوة الخارقة، ناطقاً بالحكمة، جامعاً الناس من كل المستويات وأشكال الفنون مثل عزف الجاز ورقص ال«هيب هوب» والرقص الصعيدي التقليدي.
مبالغة
أسماء النجوم تمنح العمل ثقلاً وأداؤهم يناسب المساحات المتاحة لهم، ولعل أكثرهم تميزاً أحمد كمال. عماد البهات وأسامة حبشي قدما فيلماً فلسفياً عن المدينة التي تقسو على الناس، وكأن لا مكان فيها للأبرياء ولا ترحم الضعفاء، وهي رؤية مبالغ فيها. أسلوب البهات في قطع المشاهد وإعادة ربطها وربط الشخصيات ببعضها البعض وتقديم الأحداث أحياناً مرتين، كل مرة من زاوية مع تفاصيل أكثر، مختلف وغير تقليدي، لكنه غير مبهر في نفس الوقت. التركيز في القصة على فكرة استغلال المرأة وهي التي تبدو في كل حالاتها ضعيفة، مغلوبة على أمرها، ونظرة الرجل لها محصورة في إطار الجسد، فهي نظرة قديمة ضيقة، لا يجوز اعتمادها في عمل سينمائي حديث دون التركيز على نماذج إيجابية أخرى تعلي من شأن المرأة وتمنحها قدرها. من ناحية أخرى لم نفهم لماذا أنكر علي صلته بأبيه حين وجده وهم ينقلونه بسيارة الإسعاف، ولم يذهب معه أو ينطق بأي كلمة؟ هل تركه ليلحق بحياة المدينة، وهو تائه فيها لا يعرف أحداً ؟ الفيلم ينقصه بريق أمل رغم النهاية الفنية التي تبدو مبهجة إلى حد ما.