استطلاع: نجاة الفارس
هل يمكن العلاج بالفن التشكيلي؟ يؤكد فنانون، وأخصائيون نفسيون، أن العلاج بالفن مجد، مع حالات الإعاقة الذهنية، ومرضى طيف التوحد، وبعض كبار السن، وأطفال متلازمة داون، كما أن التعامل مع هذه الفئات يحتاج إلى خبرة، وإلمام بالموضوع، وتعاون بين الفنان والأخصائي، حيث يتم التعبير عن الخبرات الدفينة والمستترة والمكبوتة المسببة للمشكلات والاضطرابات السلوكية، وتفسير ومعرفة حقيقة تلك الخبرات، وإيجاد حلول للمشكلات، وإحداث تغيير إلى الأفضل في شخصية الفرد، وفي حياته بصفة عامة.
ولم يعد الفن التشكيلي مجرد لوحة، وألوان، وأوراق، بل أصبح من أساليب الشفاء والعلاج النفسي، يهدف إلى مساعدة المريض على إعادة بناء الطريقة التي ينظم بها حياته، ثم التخلص من الخبرات الحياتية المؤلمة غير المرغوب فيها، واستبدال خبرات مثمرة وذات قيمة بها، وكذلك الانتقال بالمريض من حالة الشعور بالاغتراب والخوف والعدوانية والتمركز حول الذات والقلق، وما شابه ذلك، إلى حالة أخرى تسودها مشاعر الحب، والتعاطف، والإقبال على الحياة .
خبرة وإلمام
الفنان التشكيلي إبراهيم العوضي، يقول: العلاج بالفن من أهم أنواع العلاج النفسي، ومن خلال تجربتي وحياتي العملية في الفن التشكيلي لما يقرب من 29 عاماً، مرت بي حالات من خلال الورش التدريبية التي أقدمها في المراكز الثقافية والمدارس والمؤسسات، ومن الحالات التي أفتخر أني دربتها، حالات مرضى طيف التوحد، وبعض حالات الإعاقة الذهنية،والبصرية، وعدد من كبار السن، وحالات لمرضى نفسيين، ومن تلك الحالات أذكر ثلاثاً، جميعها من النساء، فالتعامل مع هذه الفئة تحتاج إلى خبرة، وإلمام بالموضوع.
وأذكر على سبيل المثال سيدة كانت تتردد على المركز الثقافي في عجمان، وكانت ترغب في ممارسة الرسم، لكنها كانت مترددة، تحضر أحياناً وتغيب مرات أخرى، ثم قالت لي إنها تعاني بعض المشاكل الصحية النفسية التي تؤثر في اضطراب مزاجها، وكنت أتركها على راحتها، ولكن بالتدريج بدأت تلتزم بموعد الدرس، وبالفعل كانت ترسم عدة ألوان غريبة تميل للواقعية، وتتخللها بعض الرسومات التجريدية، وهذه الرسومات كما هو معروف لا يقرأها إلا فنان متمكن، ثم طلبت منها أن تشرح ما تفعله، وعرفت أن لديها مشكلة أسرية، وتعاملت معها كما يجب بكل احترام، وتقدير، وأدركت أن هناك مشكلة تتعلق بمعاملتها داخل الأسرة، لكنها وجدت في المرسم تعويضاً عن ذلك، وبدأت تحب الرسم يوماً بعد يوم، و شعرت بإثبات الذات، وبمزيد من الثقة والتقدير لنفسها، ولقدراتها.
متلازمة داون
تقول الدكتورة نجاة مكي: لن أخوض في الموضوع من جانب علمي، ولكن سأتحدث عن تجربتي مع أطفال متلازمة داون، فقد كانت مديرة جمعية الإمارات لمتلازمة داون، سونيا الدبل، مهتمة ومتذوقة للفن، وكان ابنها سيف بطلاً من أبطال متلازمة داون، واقترحت عليّ أن يكون للفن جانب في الجمعية، فعملت معها وبرفقة الطبيبة النفسية الدكتورة منال جعرور، وبدأنا بطرح دروس في الفن للأطفال، ثم صار الأطفال يعبرون من خلال حصة الرسم عن مكنوناتهم، وكانت الألوان متنفساً لهم، ثم نظمنا لهم معارض، وشاركوا في عدة ملتقيات، وحصلوا على جوائز، واكتشفنا منهم مواهب كثيرة، كما دخلت رسوماتهم في مزادات واقتناها أناس كتشجيع لهم.
لقد كنت أشجعهم، وأمسك معهم الفرشاة، وقد كانت رسوماتهم تعكس العديد من الجوانب في حياتهم، فالطفل يرسم علاقته مع أمه، وأبيه، وإخوته، وأسرته، مثلاً قد يرسم أحد إخوته بعيداً فنكتشف أنه يعبر عن التباعد بينه، وبين هذا الأخ بالتحديد.
بدايات
الدكتورة كريمة العيداني آل بوعلي، أخصائية نفسية ومستشارة أسرية، تقول: بدأ العلاج بالفن في منتصف القرن العشرين، و نشأ بشكل مستقل في الدول الناطقة بالإنجليزية، وآمن معالجو الفن الأوائل بأهمية الجمال، ودوره في مرحلة الطفولة المبكرة، ثم عملوا مع أناس من جميع الأعمار ومع طائفة واسعة من الاضطرابات والأمراض، ويختار المعالجون بالفن المواد والتدخلات المناسبة لاحتياجات المرضى، ومن ثم ينظمون دورات علاجية.
والعلاج النفسي بالفن يتوزع على قسمين: أولاً البداية بالرسم أو الحفر على الفخار والخزف، حيث يتم التعبير عن الخبرات الدفينة والمستترة والمكبوتة المسببة للمشكلات والاضطرابات السلوكية، وثانياً العلاج النفسي، حيث يتم تفسير ومعرفة حقيقة تلك الخبرات، وإيجاد حلول للمشكلات، وإحداث تغيير إلى الأفضل في شخصية الفرد وفي حياته بصفة عامة.
مرآة المشاعر
الأخصائية النفسية ياسمين مرعي بليق، تقول: الفن مرآة للمشاعر فهو وسيلة فعالة لفهم الحالة النفسية، يعكس أسرار النفس البشرية، ويعبر عن الشخصية، وتعتمد الفكرة الرئيسية للعلاج بالفن التشكيلي على اتباع نمط الرسم والتلوين لإخراج الطاقات السلبية وإطلاق الطاقة الإبداعية للفرد وتمكينه من بناء دفاع قوي ضد المتاعب، كما أن ممارسة نشاط فني إبداعي من شأنه أن يشبع الذات باعتبار الفن لغة في حد ذاته للأفراد سواء أكانوا راشدين، مراهقين، أطفالاً أو من ذوي الاحتياجات الخاصة، وفرصة للتعبير عما بداخلهم.
من هنا يصبح الفن أداة العلاج والشفاء، حيث يقوم المريض بالرسم أو التشكيل بطريقته الخاصة، معبراً عما بداخله من انفعالات سلبية، ويصبو إلى تغييرها ليصل إلى الشعور بالرضا عن الذات، والهدف من هذا العلاج مساعدة الفرد على إعادة بناء الطريقة التي ينظم بها مسار حياته.