مثلما عرف عن المنشور السياسي الثوري والكلمة والخطابة والصحافة الحركية دور كل منها الفعال في التغيير والتحولات السياسية والاجتماعية المعاصرة، والذي لا يقل شأناً عن دور البندقية في حركات التحرر من الاستعمار والاحتلال الأجنبية والأنظمة الاستبدادية الفاسدة، متى سنحت الظروف والشروط الموضوعية والذاتية باستخدامها، فإن الأغنية الثورية أو السياسية إن جاز القول هي الأخرى سلاح فعال لا يقل أهمية عن كل تلك الأسلحة والوسائل النضالية المختلفة.
والأمثلة التاريخية على ما لعبته الأغنية السياسية والوطنية في إلهام الشعوب وحركات التحرر وشحذ هممهم الثورية وتعزيز صمودهم هي أكثر مما تحصى وتعد في تاريخنا الحديث، ولعل واحدة من أبرز هذه النماذج المغنية الفنانة الجنوب إفريقية ميريام ماكيبا التي لقبها بحق المناضل الوطني العالمي نيلسون مانديلا بأم إفريقيا، والتي غيبها الموت مؤخراً في الغربة بإيطاليا عن عمر يناهز ال 76 عاماً بعد حياة نضالية حافلة بالتضحيات والعطاء ونكران الذات من أجل استقلال وطنها وتحرير شعبها من النظام العنصري السابق في جنوب إفريقيا. ولم يكن مانديلا يجافي الحقيقة حينما وصفها في نعيه لها بما مفاده أنها السيدة الأولى للغناء في جنوب إفريقيا، وهي بفضل أغانيها الأم الحقيقية لشبابنا المناضل في كل معاركه وبطولاته لدحر النظام العنصري البائد. ولئن كانت الأغنية السياسية الثورية التحريضية لم تبرز في عالمنا العربي بشكل لافت وأكثر كثافة إلا بعد هزيمة ،1967 ولم يكن قبلها ما هو سائد سوى الأغاني الوطنية القومية التي تغنت بأمجاد العروبة والقومية وبعض الانتصارات المتحققة خلال مرحلة المد القومي، فإن أم إفريقيا ماكيبا برزت أغنياتها الثورية الوطنية التي تشحذ حماس الشباب قبل أن يشحذوا أسلحتهم في وجوه أعدائهم العنصريين، بالتزامن مع بدايات المرحلة الأخيرة من وصول نضالات شعب جنوب إفريقيا الى ذروتها، والتي ابتدأت منذ أواخر خمسينات القرن الآفل.
لكن نضال ماكيبا الفني الغنائي لفضح وتعرية نظام التمييز العنصري في وطنها ووطن آبائها وأجداد أجدادها، الذي يقوم عليه العنصريون البيض الجدد الغازون القادمون من أوروبا، لم يقتصر من أجل شعبها فحسب، بل اتصف هذا النضال بالإنسانية الأممية عبر التضامن والدعم الفعلي لكل ضحايا أشكال التمييز في العالم، وهي التي أجبرت على العيش في المنفى غريبة مغربة عن وطنها طوال 31 عاماً، ولم تعد إليه إلا عشية انهيار النظام العنصري في بريتوريا بعد إلحاح من القائد الوطني مانديلا، وقد عادت بجواز سفر فرنسي بعدما جردها النظام البائد الأجنبي الغازي من جنسيتها الوطنية، وما أكثر الجوازات التي اضطرت لاستخدامها في المنفى كشأن حال أكثر المنفيين عن أوطانهم.
ولئن وصف عام 1961 بأنه العام الذي استقلت فيه كثرة من البلدان الإفريقية عن الاستعمار والاحتلالات الأوروبية الغربية، فإن القارة الإفريقية لم تشهد قارة ما شهدته من عذابات إنسانية وكوارث سياسية وطبيعية ونهب خرافي لخيراتها، حيث كانت بحق القارة الحلوب التي غرف منها المستعمرون جل ثرواتها طوال قرون ولم يغادروها إلا وهي أشبه بالضرع الجاف، ناهيك عن أنها كانت القارة الأكثر تعرضاً لاسترقاق أبنائها والمتاجرة بهم، لا لشيء سوى أن لون بشرتهم أسود، ولم تكن لهم حيلة للذود عن أوطانهم وحرياتهم في وجه وحشية الغزاة البيض الجبارين.
وإذا كانت حياة أم إفريقيا سيرة متصلة من التراجيديا النضالية فلم يخل توقيت رحيلها تاريخياً من مغزى تراجيدي، فقد توفيت فجأة إثر جلطة قلبية لم تمهلها بعد دقائق معدودة من تأديتها حفلة غنائية تضامنية مع الكاتب الايطالي الشاب روبيرتو سافيانو المستهدف جدياً بالاغتيال في أية لحظة من مافيا الكامورا لفضحه جرائم هذه العصابة ومخططات أنشطتها الاجرامية ليس في ايطاليا فقط، بل على المستوى العالمي، وذلك في كتابه غومورا، عدا ما قامت به قبل هذا الحفل من سلسلة من النشاطات الابداعية مع التضامنية الأخرى مع الكاتب نفسه بالمشاركة مع مثقفين عالميين من بينهم حائزو جائزة نوبل. ومما له مغزى في توقيت استشهادها انه جاء غداة فوز أول رئيس أمريكي أسود تعود أصوله الى قارتها في بلد لطالما عرف كل أشكال التمييز العنصري القائم على اللون والعرق والدين كان لأبناء قارتها رصيدهم الأوفر منه، هي التي غنت من أجل حريتهم وحقهم في المساواة داخل أمريكا نفسها ناهيك عن بلدان إفريقية وأخرى من العالم.
بعد هذه الحياة الحافلة بالنضالات والتضحيات الوطنية والأممية الإنسانية، ألا تستحق هذه السيدة التي تعد لربما الفنانة الأشهر عالمياً بين النساء في تكريس فنها الغنائي بتفان لنضال شعبها وشعوب العالم من أجل الحرية والكرامة والمساواة، أن تكرم ويحتفى بها وباسمها بما يليق بمكانتها، سواء جاء هذا الاحتفاء في وطنها، كما هو متوقع، أم في البلدان الإفريقية، أم في عدد من البلدان الغربية وعلى الأخص إيطاليا حيث لقيت حتفها في لحظة نضالية، أم في أمريكا؟