مجرد ملاحظة

03:07 صباحا
قراءة دقيقتين

أكّدت فعاليّات إحياء الذكرى الستين لنكبة فلسطين في غير بلدٍ عربي المؤكد والبديهي، وهو أن الوجدان العربيّ موحّد بشأن القضية المركزيّة للأمّة، وهي قضيّة فلسطين كما تسميتُها الصحيحة، والعتيقة، وليست القضية الفلسطينية كما تسميتها السقيمة، والرائجة. ودلّت تظاهرات المناسبة في نواكشوط وأبو ظبي وعمّان والمنامة وبيروت والقاهرة والخرطوم والرباط مثلا على أن مخزونا جمعيّا ما زال قائما، وقويّا على الأغلب، يربط الشعوب العربيّة ببعضها، وإن تعاظمت هموم بلادها الداخلية، وإن تراكمت وهيمنت المشاغل والتحديّات القطرية غير الهيّنة على ما هو قومي. ولا تزيّد أبداً في القول هنا أن تقدّم كل بلد عربي في النهوض والتنمية وتغلبّه على مشكلاته على غير صعيد إنما يفيد حتما في إسناد فلسطين وشعبها، بل ولا مجازفة في الذهاب إلى أن هذا الأمر يُسهم في التسريع في تحرير فلسطين. ولا أدلّ على وجاهة هذا الرأي من أن إسرائيل" لا تكلّ في استثمار تناقضات ومشكلات الداخل في كل بلد عربي، وتعمل على مضاعفة التأزيمات الناجمة عنها. وليس هذا مفاجئا ولا مستغربا، بل هو من حقائق وطبائع الأمور وبديهيات الصراعات، وكان بن جوريون قبل أكثر من 60 عاما بالغ الوضوح في تأشيره إليها.

ليست النوستالجيا الثاوية في نفوسنا فقط ما تضطرنا إلى استحضار ما كان في عقود مضت من سعي فلسطينيّ كفاحيّ مديد إلى حماية العمق العربي، الوطني أساسا، والشعبي الأهلي، متزاوجا مع الرسمي الحكومي، والحفاظ عليه، بأن يظلّ دائما إسنادا جوهريا في العمل النضالي، العسكري والفدائي والمقاوم والميداني، وكذلك في النشاط السياسي والإعلامي والدبلوماسي. ليست فقط أوجاع الحنين إلى ذلك الإيقاع التاريخي غير المنسي هي ما تجعلنا اليوم في حسرةٍ مما هو حال العمل الوطني الفلسطيني البائس، بل أيضا ما صار مسموعاً وبالصوت العالي في غير مطرح، عن اليأس من إصلاح الأحوال، وعن وجوب انصراف كل شعب عربي إلى أولوياته، من دون كثير انصراف إلى الشأن الفلسطيني، خصوصا وأن أصحاب هذا الشأن غيرُ معنيين بغيرهم، وشكاؤون بكاؤون، ومنقسمون، ولم يعد ثمّة خط أحمر يحصّنهم من السقوط في القيعان إيّاها.

دلّت غيرُ مناسبة وواقعة ومذبحة ونائبة على أن فائضا هائلا من المشاعر العربيّة الواحدة تجاه فلسطين وشعبها يحتاج إلى استنفار ما يوازيها في النفوس من قدرات على العطاء والبذل والتضحية، على الرغم من كل البؤس والتعاسة الراهنين. وكانت الفعاليات التي نظمتها تجمعات مدنية ناشطة في البلاد العربية وبعض الإسلامية والغربية لإحياء ذكرى النكبة حارّة وغنيّة المعاني، أحالت إلى البديهيات الأولى التي منها أنّه لا يجوز أبداً أن تكون قضية فلسطين متروكة لأهلها فقط، ليس لدعاوى قوميّة وإسلاميّة وإنسانيّة فقط، بل أيضا لأنّ بعضهم يعملون على إدامة نكبتها، وهم في انقسامهم المخزي الذي نرى. ومن تلك البديهيات أن تآكل العمق العربي، الأهلي المدني الشعبي، للقضية مصيبة إذا ظل بعضنا يتمادى في التهوين من مخاطره، المنظورة القائمة، والبعيدة أيضا، وهذه مجرد ملاحظة فقط.

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"