أ.د.حميد مجول النعيمي
في العلاقة بين السحاب والمطر ما يبعث على تقصي قوله تعالى في القرآن العظيم بموضعين: (1): «اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاء وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ، وَإِن كَانُوا مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ، فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَّظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ» الروم 48-51. (2): «ألَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ» النور 43
توضح هاتان الآيتان أن تكوين السحاب الركامي من قطع متناثرة يسوقها الهواء الخفيف، فيصعد بالسحابة إلى الأعلى كالشفاطة التي تشفط الهواء، ثم تصعد السحب إلى الأعلى فتكون سحباً ركامية (ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا)، حرف العطف ثم يفيد أن عمليتي الشفطة والصعود تستغرقان وقتاً، لأنه يفيد الترتيب مع التراخي، وبعد هذا التراكم يظهر المطر (فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ).
وبشكل عام في الآيتين أعلاه نجد وصفاً فيزيائياً دقيقاً لظواهر جوية و أنوائية للرياح والسحب والأمطار، فالوَدْق (حسب الفراهيدي) هو المطر كله، والرَّكمُ هو جمع الشيء فوقه حتى يصبح رُكاماً مركوماً كركام الرمل والسحاب. قال تعالى «فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا» الأنفال 37 و«ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًاً» و«فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ»، أي فترى المطر يخرج من بين السحاب «فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ»، أي لحاجتهم إليه يفرحون بنزوله عليهم ووصوله إليهم، «وَإِن كَانُوا مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ» معنى أن هؤلاء القوم الذين أصابهم هذا المطر، كانوا قانطين من نزول المطر إليهم، فلما جاءهم، جاءهم على فاقةٍ فوقع منهم موقعاً عظيماً، فبعد ما كانت أرضهم قَفْراً هامدة، اهتزت ورَبتْ وأنبتت من كل زوج بهيج، ولهذا قال تعالى: «انظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ» الروم 50 يعني المطر كيف يحيي الأرض بعد موتها.
والجانب الفيزيائي هنا:
1- تبخر حرارة الشمس مياه البحر، فيصعد بخار الماء إلى السحاب وينتقل من مكان دافئ إلى مكان بارد وعند حدوث شرارة كهربائية عن طريق البرق تتكون قطرات المطر على شكل ذرات من الكبريت ناعمة جداً وتسقط الأمطار (بسبب جاذبية الأرض) عذبة وحلوة.
2- ربط نشوء السحاب بحركة الرياح وعملية التبخر، وربط نزول المطر بتجمع السحاب وتكثفه وزيادة ثقله. جعل المطر تحت اسم الوَدْق حالة عامة لا يفرقها شدة المطر أو غزارته أو وقته أو موسمه، وعلى الإنسان متابعة تفاصيلها لأنها جزء من الظاهرة وليست الظاهرة نفسها، أي أن سبب المطر وأصله مناط بإرادة الله وأمره.
في سورة الطارق (11) نقرأ قسم الله: «وَالسَّمَاء ذَاتِ الرَّجْعِ» (يصعد بخار الماء إلى السماء ثم يرجع على شكل مطر)، الرجع هو المطر، هو السحاب فيه المطر، وقد منح السحاب أو الغيوم أو المزن أسماء خاصة كما في قوله تعالى:
(3): «وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجًا» النبأ 14؛ إذ المعصرات هي كل ما ورد أعلاه أو جزء منه محدد كالغيوم الثقال.
وإذا جمعنا السحاب إلى المزن إلى الغيم، إلى الرزق، إلى المعصرات صار عندنا كلمات عديدة ذات معنى واحد، أي لكل كلمة منها، و بها، معنى واحد إزاء المطر إلا الرزق فله أكثر من معنى، لذلك نعدّه كنايةً مجازية فضلاً عن المدلول الخاص في هذا السياق.
ننتقل إلى الفيزياء لنرى كيف تستظل بمعاني القرآن الكريم أو تنطلق منه أو تعود إليه، فالريح في قوله تعالى: «اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ» يدفعنا إلى السؤال عن معنى الرياح فيزيائياً لنكشف عن الريح التي قال عنها الله تعالى: «فَتُثِيرُ سَحَابًاً» الريح هي الحركة الأفقية للهواء، فوق سطح الأرض، لذلك فإن التيارات الصاعدة لا تُوْجِدُ ريحاً على الرغم من أهميتها في تكوين الطقس ونقل الحرارة والرطوبة إلى الأعلى، إلا أن الريح في القرآن الكريم موصوفة بكلامٍ يصفها على أكثر من صورةٍ، من ذلك مثلاً:
(4): «كمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ» آل عمران 117، (5): «وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ» يونس 22،(6): «فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِّنَ الرِّيحِ» الإسراء 63،(7): «فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ» ص 36، (8): «إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ» الشورى 33،(9): «بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ» الأحقاف 24، (10): «وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ..» الذاريات 41 (11): «.. وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ» الحاقة 6، (12): «وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ» الحجر 22.
تُقدم الفيزياء الجوية أسباباً وصوراً كثيرة للرياح لا تخرج عن شمول هذه المدلولات ولكنها تفيدنا بكيفية صيرورتها، بينما يختم القرآن فعلها بالنتائج المتحققة من فعلها ازدهاراً أو دماراً، فالدوران العام للرياح في منظور الفيزياء يفيد أن التسخين غير المتكافئ الذي يصيب أجزاء الكرة الأرضية بسبب تعذّر تكافؤ الطاقة الشمسية الساقطة عليها بتأثير ميلان محور الأرض واختلاف بُعد الأرض عن الشمس خلال السنة، ودوران الأرض واختلاف توزيع المناطق: اليابسة والمائية، كل ذلك يؤدي إلى نشوء تيارات الحمل على نطاقٍ واسعٍ حول الكرة الأرضية وعلى شكل أحزمة لاسيما فوق خط الاستواء، وتكون التيارات الأخيرة محملة بالرطوبة، تُنقل بتأثير الريح العليا إلى شمال وجنوب خط الاستواء. أما في المنطقة القطبية فإن الهواء الأسفل يكون شديد البرودة والجفاف، وثقيلاً، لذلك فإنه يهبط نحو خطوط العرض السفلى.
وتستمر الفيزياء في تعريف أو تصنيف أو تمييز ما يتعلق بالرياح من خلال مفهوم الهواء، فالكتلة الهوائية، مثلاً، معروفة بأنها كمية كبيرة وعميقة من الهواء. تتجانس خواصها من حيث الحرارة والرطوبة ولاسيما في الاتجاه الأفقي. وينشأ مثل هذه الكتل فوق مناطق شاسعة من الكرة الأرضية حيث يكون الهواء فوقها راكداً. لذلك، فإن الهواء يكتسب خواص ذلك السطح ويتجانس معه وتتولد الكتل الهوائية الدافئة الرطبة في المناطق الاستوائية والمدارية، أما الكتل الهوائية الباردة الجافة فتنشأ في المناطق القطبية وأواسط القارات في الشتاء. وعند انتقال هذه الكتل فوق مناطق مختلفة من حيث الرطوبة والحرارة، فإن طبقاتها القريبة من سطح الأرض تكتسب بعض خواص هذه السطوح مع بقاء الأجزاء العليا قليلة التغير. حتى إذا أعدنا قراءة جملة (وعند انتقال هذه الكتل) تذكّرنا الجملة القرآنية: «اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ»، إذ لا تتحرك الريح من نفسها. سنكمل الموضوع في مقال الغد.
مدير جامعة الشارقة
رئيس الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك