نحو استراتيجية جديدة للنضال الفلسطيني

01:59 صباحا
قراءة 6 دقائق

من المواضيع الشائكة، على طريق إنجاز قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، موضوعان رئيسيان هما حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم، وارتباط القدس الشرقية بالسلطة الفلسطينية، باعتبارها عاصمة للدولة المستقلة المرتقبة . والموضوعان، يشكلان حجر زاوية في النضال الفلسطيني .

فحق العودة يشمل أكثر من خمسة ملايين لاجئ، يشكلون غالبية الفلسطينيين، ولا يملك أحد كائنا من كان التفريط بحقهم في العودة . أما الموضوع الآخر، فإنه مهم ليس فقط للفلسطينيين وحدهم، بل للعرب والمسلمين جميعاً، نظراً للارتباطات الدينية والعاطفية للمسلمين والمسيحيين ببيت المقدس، وبقية المقدسات والآثار الإسلامية، وبسبب موروثات تاريخية، ضاربة عميقا في الوجدان . وكان موضوع عودة القدس، مبررا لقيام تكتلات ومؤتمرات وتجمعات إسلامية منذ النكسة عام ،1967 وحتى يومنا هذا . ولا زالت الذاكرة تحتفظ بالسبب الرئيسي الذي حرض على اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، فقد انطلقت إثر قيام أرييل شارون، زعيم الليكود بزيارة استفزازية للحرم القدسي الشريف .

النقطة الأخرى التي يجدر الانتباه لها هي أن النضال الفلسطيني المعاصر، بقيادة حركة فتح، ومن ثم منظمة التحرير الفلسطينية، انطلق من الشتات، وكان اللاجئون الفلسطينيون هم العمود الفقري للمقاومة الفلسطينية . ولم يكن للشعب الفلسطيني في المناطق المحتلة دور يستحق الذكر، حتى منتصف السبعينات في المقاومة والنضال ضد الاحتلال . وحتى عندما انطلق ياسر عرفات بعد نكسة يونيو/حزيران مباشرة إلى أراضي مدينة القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، واتخذ من مدينة نابلس، المعروفة بمساندتها للنضال الوطني، مقرا له، على أمل التحضير لانتفاضة فلسطينية، وشن حرب تحرير شعبية مسلحة في تلك المناطق، لم تكن استجابة الفلسطينيين في الأراضي المحتلة مشجعة، ووجه بفشل ذريع . وتمكنت قوات الاحتلال الإسرائيلي من محاصرة مقاتليه، وكان أسوأ ما واجهته الاستراتيجية العسكرية لحركة فتح آنذاك، هو الموقف السلبي لشعب الضفة الغربية، تجاه العمل الفدائي، وعدم تقديم الدعم والحماية للمقاتلين الفلسطينيين . وكان ذلك موضع تساؤل من قبل عدد كبير من الكتاب والباحثين الذين اهتموا برصد معالم النضال الفدائي في تلك الحقبة، ليس هنا مجال الحديث عنه .

وبالإمكان القول إن التحولات اللاحقة التي حدثت في المناطق المحتلة كانت بفعل جاذبية النضال الفلسطيني بالشتات، خاصة بعد معركة الكرامة بالأردن في مارس/آذار عام ،1968 التي تناولناها في حديث سابق . وكانت إحدى الدلائل المبكرة على تلك التحولات قد أخذت مكانها خلال شهر إبريل/ نيسان عام ،1973 عندما قامت إسرائيل بعملية اغتيال في بيروت لبعض قادة منظمة التحرير . فقد أجج هذا الحدث مظاهرات صاخبة واحتجاجات واسعة على الإرهاب الإسرائيلي شملت عموم الضفة الغربية . وفي أغسطس/آب من العام نفسه، تأسست الجبهة الوطنية الفلسطينية في المناطق المحتلة، وأكد بيانها الأول على أن الجبهة هي: جزء لا يتجزأ من الحركة الوطنية الفلسطينية، ممثلة في منظمة التحرير الفلسطينية . وحددت هدفها في العمل من أجل تحقيق الاستقلال، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، ووقف عملية الاندماج بالاقتصاد الإسرائيلي . وتطورت مواقف الجبهة الوطنية لاحقا باتجاه الاعتراف بالكيان الصهيوني والمطالبة بوجود دولتين على قدم المساواة: إسرائيل في حدود الأراضي التي كانت قائمة عليها حتى عدوان يونيو/حزيران عام ،1967 ودولة فلسطينية تقوم على أراضي مدينة القدس العربية والضفة الغربية وقطاع غزة . وقد تبنت الدورة الثانية عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني، التي عقدت في يونيو/حزيران عام 1974 ذلك المشروع .

وحتى عندما تبنى القادة العرب في مؤتمر القمة العربي الذي عقد بمدينة الرباط في أكتوبر/تشرين الأول عام 1974 قرارهم الذي نص على تأكيد حق الشعب الفلسطيني في تأسيس دولته الخاصة به تحت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، في كل المناطق الفلسطينية المحررة، وأن الأقطار العربية ستقدم الدعم للسلطة عند تأسيسها في كل المواقع وكل المستويات، فإن ذلك كان مبنيا، على الأقل آنذاك، على الدور الفلسطيني في الشتات .

من هنا فإن نقطة البدء في صياغة أي استراتيجية جديدة للنضال ينبغي أن تنطلق من التسليم بوحدة الشعب الفلسطيني، ووحدة نضاله . إن الحفاظ على الوحدة الوطنية الفلسطينية يجب أن ينطلق من مفهوم أرقى، يتعدى الحرص على الوحدة الوطنية في المناطق المحتلة، من خلال تحقيق المصالحة بين فتح وحماس، ولتشمل هذه الوحدة، كافة المواقع والخنادق، في الشتات وفي المناطق التي تحتلهاإسرائيل منذ عام ،1948 وفي مدينة القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، أخذا بالاعتبار أن الفلسطينيين الذين يعيشون في المخيمات وبالشتات هم الغالبية، وأن وحدانية حق التمثيل للشعب الفلسطيني، لا تمنح صكاً بالتفريط في الحقوق، بل هي تفويض بالنضال من أجلها . وعلى هذا الأساس ينبغي أن تعاد الروح لفكرة انتقال الفلسطيني في المخيمات من لاجئ إلى ثائر، من خلال تحشيد اللاجئين والزج بهم في العملية السياسية، والكفاح بهدف حماية حقهم في العودة إلى ديارهم .

ومن هنا أيضاً، تنبثق النقطة الثانية في استراتيجية النضال الفلسطيني، وهي ضرورة الفصل بين مهام السلطة الفلسطينية، ومهام اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير . إن فك التشابك بين المهمتين هو ضرورة ملحة في هذا المنعطف من التاريخ الفلسطيني . فدور السلطة الفلسطينية، كما هو معروف، هو إدارة شؤون الفلسطينيين في المناطق التي ينسحب منها المحتل الإسرائيلي، ولديها من المهمات في هذا الاتجاه ما يكفي لاستنفاذ طاقتها ووقتها . أما منظمة التحرير فهي قيادة لثورة وطنية، لم تستكمل مهماتها بعد، وينبغي أن تتفرغ بالكامل لتلك المهمات، من دون ضغوط أو مساومات، ودون تهالك على المكاسب والمناصب، أو تخل عن المبررات الأساسية التي أدت إلى منحها الحق في وحدانية تمثيل الشعب الفلسطيني في كل المواقع والمنابر، وعلى كافة الأصعدة .

وعلى هذا الأساس، فإن الاستراتيجية الفلسطينية الجديدة ينبغي أن تقوم على التسليم بدور اللاجئين في المشاركة السياسية العملية الشاملة في تقرير مصائرهم وأقدارهم . فالحقوق لا تسقط أبدا بالتقادم، وحق الفلسطينيين في ديارهم وتقرير مصيرهم وقيام دولتهم المستقلة، حق كفلته القوانين الدولية ومبادئ الأمم المتحدة وشرعة حقوق الإنسان، ينبغي التمسك به والإصرار عليه، وعدم التفريط به أو المساومة عليه . وذلك هو أيضا ما ينبغي أن يكون جوهر استراتيجية النضال الفلسطيني في المرحلة المقبلة .

وعلى صعيد الداخل، فإن هناك حقائق جديدة قد أخذت مكانها في العقد المنصرم، وأثرت بشكل كبير على مسار الكفاح الفلسطيني . إن الخارطة السياسية قد تغيرت بشكل كبير، كما أن توازنات القوة لم تعد بالشكل الذي كانت عليه، قبل التسعينات من القرن المنصرم . لقد برزت حركتا حماس والجهاد، وصار لهما ثقل كبير جدًا في ساحة النضال الفلسطيني، وكان لهما دور ريادي في انتفاضة الأقصى . وعلى الرغم من دخول حماس في الانتخابات، وتمكنها من الفوز، وما تبع ذلك من انشطارات وانقسامات، أودت بفصل القطاع عن الضفة، فإنها لا تزال خارج خيمة منظمة التحرير . إن الحديث عن الوحدة الوطنية ينبغي أن يلتزم بثوابت الوحدة، ويبتعد عن سياسة الاحتواء أو الانكفاء . وينبغي أن تكون الاستراتيجية النضالية الفلسطينية، حاصل تفاعل وحوار بين مختلف الفصائل الفلسطينية سواء تلك الممثلة في منظمة التحرير، أوتلك التي لم تمثل بعد . ويكون الحكم في ذلك هو ثقل هذه المنظمات ودورها في أوساط الشعب الفلسطيني، والدور الذي تضطلع به في مواجهة المحتل .

إن مفاهيم الإصلاح السياسي وتحقيق الديمقراطية ينبغي أن لا تكون إملاء أو تفصيلاً ممن يأتي من الخارج، بل يجب أن تنطلق من حاجات ومستلزمات النضال الفلسطيني، وتعبيرًا عن الإلتفاف الوطني، حول ثوابت التحرير، ومتطلبات المرحلة التاريخية، ومن ضمن تلك المتطلبات حق الفلسطينيين، كل الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم، وتحرير القدس، باعتبارها عاصمة للدولة الفلسطينية المستقلة المرتقبة . وكل خروج على هذه الثوابت هو خرق لميثاق العمل الفلسطيني، وتنكر لدماء الشهداء، ومبادئ الكفاح لن ينتج عنه سوى مزيد من التنازل، والمزيد من الانقسامات والتفتيت والعجز عن مواجهة متطلبات الكفاح، والتسليم بشروط العدو من دون قيد أو شرط .

makki@alwatan .com .sa

عن الكاتب

إعلامي

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"