حلمي موسى *
للمرة الأولى في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، تنفجر في وجه إسرائيل دفعة واحدة، جملة عناصر مُوَحِّدَة للشأن الفلسطيني، لم يسبق وأن اجتمعت بقوة، كما هو الحال الآن. فالصراع على الحرم القدسي والمسجد الأقصى اشتد جراء ميل اليمين الإسرائيلي المتطرف إلى استغلال الظروف وحسم الأمر لصالحه، خالطاً بين الشيخ جراح والأقصى، ما أدى إلى هبة فلسطينية غير مسبوقة، في إطار صراع إرادات لتأكيد الحق الفلسطيني
الوضع في الأراضي المحتلة عموماً، وفي الضفة وقطاع غزة خصوصاً، لم يسبق أن شهد هذا القدر من الاعتداءات منذ بداية الاحتلال. وفي مناطق 48 حَدِّثْ ولا حرج، بعد إقرار قانون القومية، ومحاولة ترسيم وضعية فلسطينيي 48 كمواطنين درجة ثالثة.
وعندما اجتمعت كل هذا العناصر سوية، كان لا بد من الانفجار، بعدما استنجدت القدس بغزة، فهبَّت غزة ومناطق 48 لنجدتها من جهة، ولتسوية مشاكلها مع الاحتلال من جهة أخرى. لكنَّ المواجهات الحالية ذات أبعاد قومية لا تتعلق فقط بقضايا المساواة، وإنما أيضاً بمكانة العرب في وطنهم، وعلاقة «دولتهم» بمحيطهم العربي عموماً وأهلهم الفلسطينيين خصوصاً. وليس مصادفة أن يعتبر وزير الحرب الجنرال بني جانتس المشكلة مع العرب في الداخل أعقد وأشد خطراً من الحرب مع الفلسطينيين في الضفة والقطاع. ويعتقد كثيرون أن دخول المواطنين العرب في الدولة العبرية على خط المواجهة الساخنة في اللد والرملة وعكا وحيفا، كفيل بإظهار فشل المشروع الإسرائيلي في فرض الصمت عليهم، ونزع الهوية عنهم.
في كل حال، ورغم تعقيدات الوضع في القدس وفي الضفة الغربية، فإن الأنظار توجهت خصوصاً نحو الصراع الساخن مع قطاع غزة. ورغم الخلاف الجوهري المستعر فلسطينياً حول التعامل مع العنف الإسرائيلي المتمادي، فإن الواقع يشهد على أن أنصار التسوية باتوا في زاوية ضيقة بسبب إصرار إسرائيل على عدم التعامل بجدية مع الحقوق الفلسطينية.
السعي لتحقيق اختراق
كانت التقديرات السائدة في الوسط الفلسطيني، أن القطاع، ونتيجة للبؤس الشائع في هذه المنطقة، سوف يتجنب الصدام مع الاحتلال الذي يحاصر غزة ويتحكم في مداخلها ومخارجها وأرزاقها. وذهب البعض إلى حد الاعتقاد أن القطاع سوف يدفع ضريبة كلامية ومؤازرة محدودة، ويكتفي بهذه الحدود. وعندما كانت حسابات غزة منسجمة مع الشعور الشعبي الفلسطيني العارم في الضفة والقطاع، صار البعض يتحدث عن انجرار لتحقيق أهداف نتنياهو. ومن الواجب القول إن إسرائيل تقوم على مؤسسات تجعل دور القائد محدوداً، خصوصاً إذا تعلق الأمر بالأمن القومي. صحيح أن نتنياهو قد يكون استفاد من الحرب على غزة، بمنع تشكيل ائتلاف حكومي بديل، لكن من الصعب تخيل قدرته على تشكيل الائتلاف الذي يريد.
بل إن جانباً من تقدير الفصائل في القطاع، استند إلى ضعف الإرادة الحكومية في إسرائيل، بسبب استمرار الأزمة السياسية هناك.وبدا جلياً أن الفصائل الفلسطينية معنية بالاستفادة من اللحظة الراهنة لتحقيق اختراق ليس فقط بشأن الأقصى والشيخ جراح، وإنما بشأن غزة أيضاً. وهذا يُبرز أسباب استهداف الصواريخ الأولى في هذه الجولة لمحيط القدس، وإرباك ما يعرف بـ«يوم القدس» الذي يحتفل به اليهود بالتوقيت العبري ليوم إعلان «توحيد القدس».
وكان واضحاً أن استهداف محيط القدس وتل أبيب بالصواريخ يعني البدء تقريباً من خط التصعيد النهائي. ولذلك لم تكن ثمة مسافة زمنية يعتد بها بين إطلاق الصواريخ باتجاه مستوطنات القدس واستهداف المركز المديني في تل أبيب. بل إن الصواريخ بعدها طالت مناطق تقترب من حيفا. وبديهي أن اليمين الإسرائيلي لا بد أن يرد في معركة باتت مكشوفة في صراع إرادات، لتغيير المعادلة القائمة من حيث مضي إسرائيل في استباحة حقوق الفلسطينيين ومقدسات العرب والمسلمين، من دون اكتراث للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس.
هدف التدمير
كانت الضربات الجوية أيضاً من خط النهاية، باستهداف الأبراج السكنية والبيوت الآمنة والتلويح بهجوم بري. وتباهت قوات الاحتلال باستخدام 160 طائرة حربية، عدا الطائرات المسيرة والمدفعية في أوسع عملية قصف مكثف. وسرعان ما تبين أن هدف هذه الغارات والقصف هو تدمير البنية التحتية ومشروع الأنفاق الدفاعية. وحاولت الدعاية العسكرية الإسرائيلية إظهار عمليات القصف هذه بأنها أوسع عملية عسكرية منذ سنوات طويلة، وأنها قضت على أنفاق المقاومة، أو حسب تسميتهم «مترو الأنفاق».
وقد تبين للمراسلين العسكريين أن قيادة الجيش تضللهم وتكذب عليهم، وأن العملية الاستراتيجية التي تدرب الجيش عليها واستعد لها على مدى 3 سنوات كانت غير مجدية. فهي لم تقرب الاحتلال من حسم المعركة. وقد وفر هذا الفشل أسباباً واضحة للعديد من قادة المعارضة لزيادة انتقاداتهم لنتنياهو وحكومته.
في كل حال، من الواضح أن نتائج العدوان، وفق كل المعطيات، ليست في صالح إسرائيل. فالخسائر الاقتصادية والمعنوية والمادية تعتبر هائلة، إذا قورنت بمواجهة مع قطاع غزة. فقد شلت الصواريخ ليس فقط الحياة الاعتيادية لحوالي نصف الإسرائيليين، وإنما شلت حركة إسرائيل إلى الخارج، مطارات وبعض الموانئ.
وهنا يمكن القول إن وحشية العدوان لم تكن جديدة على الفلسطينيين الذين خبروها في كل الحروب السابقة، والجديد هو أن قدرتهم على التصدي لها أكبر من أي وقت مضى.
[email protected]