كعادة الأصوات النشاز التي ترتفع بين حين وآخر في مخالفة صارخة للموقف العربي العام لا غرابة أن ترتفع هذه الأصوات نفسها في أعقاب الإعلان عن المقاطعة العربية لمعرض تورينو الايطالي للكتاب والذي سينعقد هذا العام في 8 12 مايو/أيار المقبل. والذي سيستضيف الكيان الصهيوني ضيف شرف لهذه الدورة بينما تتساءل الأصوات النشاز منتقدة المقاطعة بوصفها كما تقول دعوة للعزلة عن مثقفي العالم (!!) ولا أدري كيف يفكر هذا النفر ولا من أي منطلق يتحدث. وهل كان على العرب أن يتقاطروا الى معرض مكرس لتكريم العدو الصهيوني في الوقت الذي يذبح فيه الأطفال والشيوخ والنساء على مرأى ومسمع من العالم ومثقفيه.إن لغة هؤلاء المنتقدين للمقاطعة هي نفسها لغة دعاة التطبيع الذين لا يرون دماء الأشقاء في غزة تنزف ولا يسمعون صراخ الأطفال والثكالى، ولا يدركون أبعاد هذا الاستفزاز الذي يتحدى به القيمون على المعرض مشاعر ثلاثمائة مليون عربي. ومرة أخرى لا أدري ما الذي سيخسره العرب والثقافة العربية من وجهة نظر هؤلاء من عدم حضور المعرض المشبوه. وما الذي قدمته المعارض الأجنبية الأخرى للثقافة العربية أو لقضايا الأمة التي أجبرها البعض على أن تلهث وراء المظاهر الكاذبة التي لا تجني منها سوى مزيد من المهانة والإذلال؟إن مقاطعة معرض تورينو الإيطالي لا تعني مقاطعة الثقافة والإبداع في هذا البلد الصديق ولا تعني الانعزال عن الثقافة العالمية، وإنما تعني شيئاً واحداً فقط هو التعبير عن احتجاج المثقفين والكتّاب العرب استضافة كيان والغ في دم الأبرياء ليكون مشاركاً في المعرض فضلاً عن أن يدعى كضيف شرف، لما يمثله هذا الموقف اللاأخلاقي واللاإنساني من جانب الهيئة المشرفة على المعرض.لذلك فالمقاطعة أقل ما ينبغي عمله. وعلى هؤلاء الحريصين على أن تكون الثقافة العربية موصولة بثقافة العالم أن يعيدوا النظر في مواقفهم التي تعد أكثر استفزازاً وتحدياً لمشاعر أمتهم وأبناء وطنهم الكبير.وإذا كانت وكالات الأنباء قد تناقلت خبر رفض الشاعر اليهودي هارون شبتاي المشاركة في هذا المعرض طالباً شطب اسمه من قائمة المدعوين معتبراً اسرائيل كياناً عنصرياً ولا يريد ان يكون ممثلاً له. فكيف لمثقف عربي أن يحتج على المقاطعة ويرى فيها انعزالاً وانكفاء؟ إن ذلك لا يعبر سوى عن حالات انحطاط فردية تحترف المخالفة وتسعى الى أن تتبنى أسوأ المواقف في محاولة للظهور المنحط والمحبط والذي لا يتلاءم مع ما يدعونه من انتماء الى الشريحة العربية المثقفة التي مهما اختلفت انتماءاتها ومواقفها ترفض وبشدة أن تسقط الى مثل هذا الدرك.