د. أحمد سيد أحمد *
في مشهد متكرر عادت التظاهرات للمدن العراقية، وعادت معها الاغتيالات وقتل المحتجين بالرصاص الحي، إضافة إلى استهداف النشطاء واغتيالهم، ليطرح تساؤلات حول إمكانية الخروج من تلك الدوامة والحلقة المفرغة، وتأثيرها على المعادلة السياسية العراقية وخاصة الانتخابات.
لم تتوقف التظاهرات العراقية منذ اندلاعها في أكتوبر/تشرين الأول 2019، احتجاجاً على الفساد المستشري وعلى تردي الأوضاع الاقتصادية، مطالبة بتغيير المعادلة السياسية القائمة على الطائفية، والتخلص من الطبقة السياسية التي اعتبروها المسؤولة عن تدهور الأوضاع في العراق، إضافة إلى رفض التدخلات الخارجية في الشؤون العراقية.
وفي الثلاثاء 25 مايو الماضي تجددت التظاهرات مرة أخرى في المدن العراقية خاصة في بغداد، حيث قام «التشرينيون»؛ أي متظاهرو تشرين/أكتوبر، بتنظيم مسيرة من مدن الجنوب إلى بغداد في ساحة التحرير تحت شعار: «من قتلني» للمطالبة بمحاسبة المسؤولين عن قتل المتظاهرين العراقيين واغتيال النشطاء السياسيين، واستهداف التظاهرات من قبل قوات الأمن والميليشيات المسلحة. وتعكس عودة التظاهرات حالة الإحباط التي يشعر بها المتظاهرون لعدم إحراز أي تقدم في الملفات الرئيسية التي تظاهروا من أجلها وعلى رأسها محاسبة ومعاقبة قتلة المتظاهرينوانتشار الفقر والبطالة وغياب الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه نظيفة وصحة وطرق وغيرها، خاصة في مدن الجنوب، إضافة إلى ملف الإصلاح السياسي وتغيير الخريطة السياسية.
استمرار الاغتيالات
كالعادة في سيناريو أصبح مكرراً، سقط أكثر من ثلاثة قتلى وأكثر من 150 جريحاً في تظاهرات ساحة التحرير يوم الثلاثاء 25 مايو/أيار، نتيجة لاستخدام الرصاص الحي، بينما تقول الحكومة إن سقوط القتلى جاء نتيجة لما أسمته بالمندسين أو الطرف الثالث، الذي لم يعرف حتى الآن، بينما اتهم المتظاهرون الميليشيات المسلحة باستهداف التظاهرات وقمعها إلى جانب استهداف النشطاء واغتيالهم في محاولة لوأد الاحتجاجات وترهيب المتظاهرين للحفاظ على وضع تلك الميليشيات ومقاومة أي تغيير في المعادلة السياسية.
الاغتيالات المتكررة في العراق ضد النشطاء باتت ظاهرة متصاعدة في المشهد العراقي، فمنذ اندلاع تظاهرات أكتوبر 2019 تم اغتيال ما يقارب 90 شخصاً من النشطاء كان آخرهم اغتيال الناشط إيهاب الوزني، وقبله الناشط إيهاب الهاشمي وغيرهما ممن تم استهدافهم من قبل مسلحين مجهولين باستخدام الأسلحة الكاتمة للصوت أمام منازلهم.
تحدي الميليشيات
أظهر اعتقال أحد القياديين البارزين في الحشد الشعبي هو قاسم مصلح من قبل جهاز الأمن العراقي وقيام الميليشيات المسلحة، خاصة «عصائب أهل الحق» بمحاصرة المنطقة الخضراء في إطار استعراض القوة والضغط لتحرير مصلح، أظهر معضلة تحدي الميليشيات للدولة ومدى قدرتها على السيطرة وبسط الأمن والقانون، خاصة أن هذا المشهد تكرر من قبل عندما قامت قوات الأمن العراقية باعتقال عدد من قادة «حزب الله العراقي» وتم حصار المنطقة الخضراء (مقر الحكومة والبرلمان) حتى تم الإفراج عنهم، وهو ما يعكس أن تحدي نزع أسلحة الميليشيات يمثل أحد أبرز التحديات أمام رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، ويظهر مدى قوة وتأثير تلك الميليشيات في المشهد السياسي والأمني العراقي، وهو ما يعرقل أي تغيير وإجراء الانتخابات المقررة في أكتوبر المقبل.
الخروج من الحلقة المفرغة
العراق في مفترق طرق حقيقي مع استمرار التحديات خاصة استهداف المتظاهرين واغتيال النشطاء وترويع المحتجين، وتزايد نفوذ وسطوة الميليشيات المسلحة، وهو ما ولّد إحباطاً لدى المحتجين في إمكانية الخروج من تلك الدوامة. وعلى الرغم من تصميم الحكومة على المضي قدماً في إجراء الانتخابات من أجل الانتقال لمرحلة سياسية جديدة في العراق، فإن هناك تحديات كبيرة ما تزال تحول دون حدوث تقدم نحو الأمام.
ولذلك فإن الخروج من تلك الحلقة المفرغة يتطلب أولاً: اتخاذ الدولة العراقية لكل الإجراءات لمواجهة نفوذ الميليشيات ونزع أسلحتها ودمجها في الأجهزة الأمنية العراقية، دون تهاون أو تراخٍ لاعتبارات سياسية وطائفية. فاستمرار تلك الميليشيات يقوّض أسس وهيبة الدولة العراقية.
وثانياً: تحقيق إنجاز حقيقي في ملف محاسبة قتلة المتظاهرين والنشطاء وتقديمهم إلى العدالة وعدم تمييع الأمور تحت ما يعرف بالطرف الثالث المجهول، على الرغم من أنه معلوم لكل العراقيين، وهذا من شأنه أن يطمئن المتظاهرين ويدفعهم نحو التضامن مع الحكومة العراقية في مواجهة تحدي الميليشيات. وثالثاً: العمل على اتخاذ الإجراءات الاقتصادية لتخفيف الأعباء عن كاهل العراقيين، وتوظيف موارد البلاد الضخمة من النفط لمحاربة البطالة وتوفير الوظائف وإقامة المشروعات وجذب الاستثمارات الأجنبية، وهذا يتطلب محاربة الفساد المستشري في البلاد.
ومن دون ذلك، فإن العراق سيظل يدور في حلقة مفرغة؛ بل وربما التراجع إلى الخلف وهو ما قد ينعكس في احتمال تأجيل الانتخابات، ومن ثم إحباط أي فرصة للتغيير السياسي في البلاد.
* خبير العلاقات الدولية في الأهرام