حراك لبنان أنجز خطوات أساسية في سبيل سيره نحو هدف التغيير الذي تجمع عليه الأغلبية الساحقة من الشعب اللبناني.
عادة ما يشكل الرقم مئة فترة سماح لتقييم حكم أو ظرف أو واقع ما، وبصرف النظر عما إذا كان الرقم ينطبق أيضاً على الحراكات أو الثورات أم لا، فإن ما قطعه الحراك في لبنان يشكل بداية لاستخلاص علامات وعِبر، يمكن الاتكاء عليها لمعرفة مستقبل ومصير ما يجري. ففي السابع والعشرين من الشهر الجاري، يكون حراك لبنان قد خطى خطوات التقييم الأولى، وأعطى انطباعات مبدئية حول نهاياته المفترضة.
أولاً، ينبغي الالتفات لبعض خصائص الواقع اللبناني ومدى تأثر أي ظرف أو واقع مستجد بالكثير من العوامل التي يمكن أن تلعب أدواراً سلبية أم إيجابية، وهي بطبيعة الحال متعددة ومتنوعة تبتدئ بالواقع الطائفي للمجتمع اللبناني، ولا تنتهي بسرعة تشرذم المواقف وعدم الاتفاق في أحيان كثيرة حول مواقف يفترض أن تكون من المسلمات في مطلق مجتمع ونظام سياسي.
من الناحية المبدئية لا يختلف اثنان في لبنان على أن النظام السياسي الاجتماعي القائم حالياً، هو نتاج وامتداد لصيغة 1943 وتفاهماتها التي بني عليها اتفاق الطائف (1989) وفيما بعد ما سمي اتفاق الدوحة (2008)، وفي الحالات الثلاث ثمة ثوابت أبرزها دخول عوامل خارجية لإنجاز التسويات الداخلية اللبنانية، فهل تنطبق هذه الثابتة أيضاً على واقع الحراك القائم أم لا؟ وهل لذلك أثر ما في تكييف مساراته وبالتالي الوصول إلى نتائج محددة ومرضية لمن يقومون به؟
لا جدال أولاً في أن ثمة الكثير مما يجمع عليه اللبنانيون لجهة ضرورات التغيير والانطلاق نحو بنية سياسية اجتماعية جديدة، وهو ما تحتضنه شعارات الحراك والكثير من برامجه المقترحة وهو عامل يسجل للحراك لا عليه، ويعتبر مرتكزاً للانطلاق في التقييم، والمفارقة هنا، أن أغلبية أطراف السلطة القائمة حالياً تدعي وقوفها إلى جانب المطالب المحقة للحراك وتعتبر نفسها في المعارضة لا طرفاً في الحكم، وهي إيجابية تُسجل للحراك.
لقد تمكن الحراك من الضغط باتجاه إسقاط الحكومة وفرض مسارات واضحة المعالم يأتي في طليعتها تأليف حكومة جديدة تعترف برؤية المعارضة، وهو إنجاز تحقق في بداية الحراك. أما الأمر الآخر، فهو قدرته على الاستحواذ على عطف أغلبية الشعب اللبناني، رغم بعض الانتقادات الموجهة إليه، وهو أمر طبيعي في واقع كالواقع اللبناني. من بينها قطع الطرقات وحالات الشغب والعنف المفرط في المواجهات وحالات التعدّي على المواطنين والأملاك العامة والخاصة.
أما الجانب الآخر في هذا السياق، فهو الجغرافيا المناطقية للحراك، حيث شمل معظم المناطق اللبنانية، بصرف النظر عن الكيفية أو النوعية أو الأحجام المشاركة؛ إضافة إلى ذلك، شمول معظم الطوائف والمذاهب والفئات في الحراك بصرف النظر عن الحجم أو الفعالية أيضاً، وهو ما يعتبر سابقة في الحياة السياسية والاجتماعية اللبنانية على مدى قرن من إنشاء دولة «لبنان الكبير» في العام 1920.
أما المظهر الأبرز حتى الآن، فهو سلمية الحراك وعدم تسجيل انفلات الأمور من عقالها، فعلى الرغم من وجود بعض المظاهر السلبية، فقد تمكّن من اجتياز الاختبار الصعب لجهة عمليات ضبط الحراك في الحد المعقول مقارنة بما يجري في مثل تلك الحالات المماثلة. وعلى الرغم من تسجيل حالات فيها حدة في المواجهات مع القوى الأمنية والعسكرية، وظهور أعمال عنف وشغب، فهي تعتبر من الناحية العملية أمراً مسيطراً عليه إلى حد بعيد.
وعلى الرغم من ظهور جماعات شبه منظمة في الحراك، إلا أنه يُعاب على هذه الجماعات عدم القدرة على فرز قيادة سياسية موحدة تقود مطالب الحراك وهو أمر لازم وضروري لتحقيق أهداف الحراك وغاياته.
وعلى الرغم من صعوبة بل استحالة تطبيق فترة السماح على أي حراك، بالنظر لطبيعة ووسائل فعاليته، يبقى حراك لبنان قد أنجز خطوات أساسية في سبيل سيره نحو هدف التغيير الذي تجمع عليه الأغلبية الساحقة من الشعب اللبناني وحتى أحزابه في السلطة قبل المعارضة، وهي سمة قلما ظهرت في أي حراك، وتعتبر ظاهرة صحية تسجل له لا عليه.
* رئيس قسم العلاقات الدولية والدبلوماسية- في الجامعة اللبنانية