عادي

الجزائر.. انتخابات للتغيير

23:04 مساء
قراءة 4 دقائق
1

د. محمد عز العرب *

شهدت الجزائر انتخابات المجلس الشعبي الوطني (البرلمان) يوم 12 يونيو/ حزيران الجاري، وهي السابعة خلال العقود الثلاثة الماضية، فضلاً عن كونها الأولى في مرحلة ما بعد إسقاط نظام بوتفليقة عام 2019. وكان الرئيس عبد المجيد تبون دعا لانتخابات مبكرة لاحتواء قوى الحراك الشعبي وتعزيز شرعية النظام الجديد بعد إجراء انتخابات الرئاسة في عام 2019، والاستفتاء على الدستور في عام 2020، لتكتمل حلقة «المسار الدستوري» بعد إجراء الانتخابات البلدية والولائية في مرحلة قريبة.

يهدف النظام الحاكم إلى وضع خريطة سياسية جديدة من أجل استقرار البلاد، لاسيما بعد تغيير النظام الانتخابي ليصبح قائماً على القوائم المفتوحة، ويستند في ذلك إلى تطبيق المادة (7) من الدستور الجزائري، التي تنص على أن «السلطة للشعب»، لا يمكن أن يكون إلا عبر الانتخابات، وما تحمله صناديق الاقتراع، وأن المواطن يمارس سلطته عن طريق من يختاره عبر انتخابات ديمقراطية. وهنا تجدر الإشارة إلى قيام الرئيس عبد المجيد تبون بإصدار مرسوم بحل المجلس الشعبي الوطني في 21 فبراير/ شباط الماضي، لتغيير الوجوه التي كانت سبباً في اندلاع الحراك.

 القوى المتنافسة

 ويحق لما يقرب من 24 مليون ناخب المشاركة في التصويت، لكن نسبة المقترعين وصلت إلى 30 بالمئة، في حين تنافس المرشحون على 407 مقاعد؛ بحيث شارك 28 حزباً، بترشيح أكثر من عشرة آلاف شخص، يتوزعون على 646 قائمة انتخابية، ومن أبرز تلك الأحزاب المشاركة: جبهة التحرير والتجمع الوطني الديمقراطي وحركة مجتمع السلم وحركة البناء الوطني وجبهة العدالة والتنمية وأحزاب جديدة مثل «جيل جديد» و«الفجر الجديد» و«صوت الشعب» و«طلائع الحريات». وقد قاطعت 4 أحزاب الانتخابات؛ وهي: جبهة القوى الاشتراكية، والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، وحزب الاتحاد من أجل التغيير والرقي، وحزب العمال؛ إذ عدت الانتخابات بلا مصداقية، وضمت صوتها إلى صوت الحراك بخصوص رفض الاستحقاق.

 وتركزت القضية الرئيسية للحملات الانتخابية في تحسين الوضع المعيشي للمواطن. وكان لافتاً للنظر أن الحملات كانت نشطة في الفضاء الإلكتروني؛ لكنها كانت خجولة في الفضاء العام، لاسيما في ظل قرار مقاطعتها من قبل الحراك، فضلاً عن الإجراءات الاحترازية لمواجهة كورونا؛ لذا، كان رأس النظام السياسي الجزائري يدرك أن هنالك مقاطعة واسعة من الرأي العام وكتلة رئيسية يمثلها الحراك الشعبي للانتخابات البرلمانية، وهو ما أشار إليه تبون قائلاً: «إن من حق أي شخص أن يقاطع الانتخابات، لكن ما يهمه هو أن ما تفرزه الصناديق يجسد الشرعية». فضلاً عن تخوف الرأي العام من متاهة المرحلة الانتقالية التي تدعو إليها قوى الحراك.

 الانتخابات أجريت في موعدها، وبلغت معدلات المشاركة فيها 30%. بينما لم تتعد النسبة في الخارج حدود 5%.

 جبهة التحرير والمستقلون

 وقد كشفت نتائج الإنتخابات عن «مشهد سياسي جديد، ما يعطي بوادر لبرلمان من الشباب والمثقفين»، وفقاً لرئيس السلطة الوطنية للإنتخابات محمد الشرفي، إذ فاز «حزب جبهة التحرير الوطني» الحاكم سابقاً ب 105 مقاعد، وفازت القوائم المستقلة ب 78 مقعداً، فيما حل حزب «حركة السلم» الإسلامية ثالثاً ب 64 مقعداً، وجاء رابعاً حزب «جبهة المستقبل» ب48 مقعداً، وفازت «حركة البناء الوطني» ب 40 مقعداً، ويمكن القول أن فوز المستقلين بالموقع الثاني بعد «جبهة التحرير» سيشكل قوة جديدة داخل المجلس النيابي المقبل.لكن الملاحظ أن الإسلاميين لم يحققوا الفوز الذي كانوا ينتظرونه لملء فراغ تراجع الأحزاب التقليدية، ما يعني فشل مشروعهم في تشكيل السلطة التي كانوا يطمحون إليها خلفا لحقبة بوتفليقة، وذلك بسبب تراجع تأثير الأحزاب الإسلاموية لدى الشارع من جهة، وتعثر تجارب قوى الإسلام السياسي في الإقليم من جهة أخرى.

 بقاء النظام

 ومن ثم، فإن نتيجة الانتخابات البرلمانية قد تؤدي إلى إحداث تغيير داخل الجزائر، لاسيما إذا لعب النواب الشباب دوراً مؤثرا داخل قبة البرلمان، استجابة لرؤى قوى الحراك الشعبي، ورؤية الحكم بأنه استجاب لمطالب الحراك في وقت قياسي، بما يمكّن الجزائر من مواجهة الوضع الاقتصادي وانخفاض احتياطي العملات الأجنبية؛ نتيجة انخفاض إيرادات النفط وزيادة تأثير جائحة كورونا.

 فعلى الرغم من انتخاب رئيس جديد للبلاد بعد حقبة بوتفليقة التي دامت عقدين من الزمن، وإجراء تعديلات على الدستور بما يمنح صلاحيات واسعة لرئيس الوزراء والبرلمان، وسجن عدد من الوزراء ورجال الأعمال النافذين في ظل النظام السابق، فإن ذلك لا يعد كافياً من وجهة نظر التيار الرئيسي للحراك الشعبي في الجزائر الذي يرى أن المؤسسة العسكرية والأمنية لا تزال تحكم البلاد، في حين أن الهدف من الثورة على نظام بوتفليقة بلورة نظام جديد؛ بحيث يقود إلى جزائر جديدة، وهو ما لم يتوافر في المرحلة الحالية، مع الأخذ في الاعتبار عدم وجود آليات محددة تترجم أفكار قوة الحراك إلى سياسات قابلة للتنفيذ.

* رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"