تحقيق: مها عادل
انتبهت مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية منذ سنوات لأهمية الدور الإيجابي الذي تقوم به الفنون المختلفة في حياة البشر، وحرصت على توفير منفذ هام لتعلم الفنون وممارستها للأشخاص من ذوي الإعاقة، وذلك من خلال إنشاء مركز الفن للجميع (فلج ) عام 2017، ويعتبر امتداداً لجماعة الإمارات للفن الخاص والتي أسستها المدينة في 1995، واستمرت في تقديم خدماتها للمبدعين من ذوي الإعاقة حتى الآن. وحالياً يمثل المركز حاضنة نوعية لكل من يملك موهبة فنية من ذوي الإعاقة من مختلف الأعمار والفئات ويتيح أمامهم فرصة حقيقية لاكتشاف وصقل مواهبهم والعمل في المجال الفني والثقافي.
يقول محمد بكر، المشرف العام على مركز(فلج): يعتبر المركز الوحيد على مستوى مجلس التعاون الخليجي الذي يقدم خدمات اكتشاف وتدريب الموهوبين من ذوى الإعاقة في مختلف المجالات الفنية، وانعكس تأثيره منذ تأسيسه في حياة العديد من الأشخاص الذين يمتلكون قدرات فنية ومواهب استثنائية، حيث وجدوا الحاضنة المثالية التي احتوتهم ودعمتهم فنياً ونفسياً ومادياً واجتماعياً، فداخل «فلج» وجد هؤلاء الفنانون فرصاً استثنائية للانضمام إلى فرق مسرحية، مثل فرقة «شارقة مايم» وتضم في عضويتها 19 ممثلاً موهوباً من ذوي الإعاقة السمعية، وقدمت الفرقة منذ تأسيسها ما يقرب من 12عملاً مسرحياً داخل الدولة وخارجها بتونس والمغرب، والتعاون مع الفرقة البريطانية العريقة «DEAF MEN DANCING»، وقدمت معها على مدار عامين عروضاً بدبي أوبرا.
وجهة رئيسية
وعلى مدار الأعوام أصبح «فلج» الوجهة الرئيسية لذوي الإعاقة الباحثين عن فرصة حقيقية لتطوير موهبتهم كما أصبح المركز الرابط الرئيسي بين المؤسسات الثقافية الراغبة في دعم الفنانين من ذوي الإعاقة، حيث سهل عملية الوصول لتلك الشريحة الهامة للاستفادة من البرامج الثقافية التي تقدمها تلك المؤسسات.
ويضيف بكر: تعتمد فلسفة العمل بالمركز على فكرة المشاريع الفنية والثقافية وفقاً لمنهجية الإنتاج الثقافي المُحدد بمدة أو المرتبط بناتج فني محدد، لذا يتعاقد المركز مع الفنانين المُحترفين في مختلف المجالات للعمل على مشاريعه الفنية وفقاً للمدى الزمني المحدد والنتائج المطلوبة. ويوجد لدينا حالياً 57 مستفيداً من المنح المجانية التي يقدمها المركز للفنانين من ذوي الإعاقة، و114 مستفيداً من الخدمات التي يقدمها المركز برسوم رمزية في جميع مجالات الفنون.
ويطلعنا بكر على المجالات الفنية المتاحة بالمركز ويقول: لدينا مجالات متنوعة من الفنون نقدمها لفئات الإعاقة المختلفة مثل: الفنون التشكيلية والعزف والغناء ويستفيد من هذه التخصصات مختلف فئات الإعاقة وفقاً لقدراتهم ودون اشتراط للفئة العمرية.
وهناك أيضاً التمثيل الإيمائي «البانتوميم»، الخط العربي، والنحت ويستفيد من هذه التخصصات ذوو الإعاقة السمعية من سن 12 سنة وبدون حد أقصى للعمر. وهناك مجال «التمثيل المسرحي»، ويستفيد منه الطلاب من ذوي الإعاقة السمعية وصعوبات التعلم والإعاقة الذهنية البسيطة ومتلازمة داون والإعاقة البصرية للفئة العمرية ابتداءً من 7 سنوات وبدون حد أقصى للعمر.
وعن التأثير الإيجابي لممارسة فن التمثيل لذوي الإعاقة يوضح بكر كيف أن للتمثيل وغيره من الفنون الأدائية أثراً بالغاً في حياة الأشخاص من ذوى الإعاقة، حيث يمنحهم قدراً كبيراً من الثقة والقدرة على التعبير والتواصل وتنمية المهارات الخاصة بلغة الجسد والتآزر الحركي، بالإضافة إلى تدريبات الإلقاء والتعبير الصوتي للمتكلمين من ذوي الإعاقة، وكلها تعد إضافة هامة يمكن أن تتم الاستفادة منها في شتى جوانب الحياة هذا إلى جانب العمل الجماعي والتدريبات التي تضفي سعادة وترسخ لأواصر الصداقة بين الفنانين وتخلق لهم محيطاً اجتماعياً يدعم المحيط الأسري والتعليمي المعتاد في حياتهم اليومية.
وعن أهم الصعوبات يقول بكر: الصعوبات تكمن في الجهد والمدى الزمني الذي قد يتطلبه الوصول إلى أفضل توظيف ممكن لإمكانيات كل فنان من المشاركين حتى تبرز قدراته الحقيقية. وأيضاً الاحتياجات التدريبية المتفاوتة التي قد تطلب في كثير من الأحيان تقسيم الفنانين إلى مجموعات مصغرة للوصول لأفضل النتائج ولكن ذلك لا ينفي السعادة المقترنة بإنجاز العمل المسرحي في النهاية.
الموسيقى
عن المجال الموسيقي يحدثنا محمد سعد، المشرف على مشروع «صوليست / العزف والغناء الفردي» عن أهم الأهداف والتدريبات الخاصة بهذا المشروع ويقول: يهدف برنامج التدريب الموسيقي على العزف والغناء الفردي إلى اكتشاف وتنمية المواهب الموسيقية والغنائية الفردية لدى الأشخاص ذوي الإعاقة وتطوير قدراتهم الفنية بشكل لائق وبمستوى احترافي لإعدادهم للمشاركات الداخلية والخارجية من خلال برنامج تدريب فردي مكثف يستمر على مدار العام، وهذه المشاركات تعزز الثقة بالنفس لديهم وتدعم قدرتهم على التواصل والتعبير عن ذواتهم من خلال الموسيقى التي تعتبر لغة عالمية، وتمتد ساعات التدريب لمدة ساعتين في اليوم مرتين أسبوعياً على أن يستكمل الفنان التدريب في المنزل لتعزيز مهاراته، والمشاركون في مجال الموسيقي والعزف 3 فنانين من أصحاب الإعاقة الذهنية والسمعية والتوحد وهم: علياء عبد القادر على البيانو، إبراهيم الحمادي على العود، والغناء ملاك عمر. والتدريب بشكل فردي وفقاً لمجال التخصص، فلكل آلة موسيقية تدريبات مختلفة تتعلق بأسلوب العزف عليها، كما يمتلك الفنانون المشاركون بالبرنامج طموحاً كبيراً لإثبات قدراتهم ومواهبهم الفنية وأن يصبحوا مصدر فخر لأسرهم.
مواهب متعددة
تحدثنا لمى فهمي من فلسطين(25 سنة)، من ذوي الإعاقة السمعية، وخريجة مدرسه الأمل للصم التابعة لمدينة الشارقة للخدمات الإنسانية، والطالبة بكلية العلوم للأم والأسرة بعجمان، والفنانة التشكيلية بالمركز عن تجربتها وتقول: التحقت بمركز الفن للجميع منذ عام واحد فقط وكان اختياري لمركز الفن للجميع- فلج من خلال صفحة «الإنستجرام»، ومنذ هذه اللحظة وجدت ضالتي في هذا المكان المليء بالمواهب الإبداعية في كافة المجالات، وخضعت لتقييم فني لمعرفة مستواي في الرسم الذي كنت أحبه، ولكن لا أعرف حجم قدراتي وموهبتي فيه، وتلقيت تدريبات مكثفة في مجال الفنون التشكيلية واستفدت منها كثيراً في معرفتي بالأدوات والألوان وأنواعها وطريقة مزجها، وكذلك تنمية قدراتي في اختيار موضوعات اللوحات.
وتضيف فهمي: شعرت بتغير كبير في شخصيتي وإحساس جديد بالثقة والقوة وتولدت طاقة إيجابية بداخلي لأنني عندما أرسم أشعر كأني في عالم مختلف أعبر فيه بألواني ولوحاتي عما أود أن أقوله، وفتح لي المركز آفاقاً جديدة لأطلق طاقاتي، وحلقت بخيالي بعيداً وشاركت في أول معرض فني في حي دبي للتصميم بالتعاون مع جاليري «أرتيستا»، وبعد ذلك عرضت لوحاتي مع باقي زملائي الفنانين في معرض بالشارقة.
وعن علاقتها بالمركز خلال فترة «كورونا» تقول: تربطني علاقة قوية جداً مع المركز والكادر الفني والإداري به، ورغم الظروف الاستثنائية التي مر بها العالم فقد واصل المركز التدريب عبر تطبيق «زووم» بمعدل مرتين كل أسبوع للاستفادة وتعلم الجديد، وكنت في غاية السرور عندما تلقيت خبر استئناف الورش العملية في مقر المركز من جديد حيث كان اشتياقي للمكان لا يوصف ولثقتي بحرص القائمين على المكان على اتخاذ كافة الإجراءات الاحترازية اللازمة للحفاظ على سلامتنا.
عازفة بيانو من الصم
يقول محمد بكر المشرف العام على مركز فلج، عن أهمية دور الفن في حياة ذوي الإعاقة: «يتطلب المجال الموسيقي عادة ضرورة توفر الأذن الموسيقية والإحساس بالإيقاع، ولكن على الرغم من ذلك قد نرى موهبة موسيقية استثنائية في المركز تتمثل في الفنانة علياء عبد القادر، وهي أول عازفة بيانو في الإمارات من ذوي الإعاقة السمعية (الصم) استطاعت أن تتعلم العزف بقدرتها على التدريب بتقنية «النمذجة» وذاكرتها البصرية القوية وقدرتها الاستثنائية على التركيز والحفظ، ومع تكرار التدريب ومشاهدة توجيهات المدرب في السرعة الإيقاعية للمعزوفة الموسيقية، ثم التدريب على المترونوم (آلة قياس السرعة الإيقاعية الموسيقية) والتعرف إلى أصابع البيانو و«الاوكتافات» ونغماتها المختلفة، استطاعت أن تُبدع في مجال العزف على آلة البيانو».