المطر وثقافة المكان

04:17 صباحا
قراءة 3 دقائق
ارتبطت مفردة المطر في التراث العربي بالخير والرحمة والنماء والحياة، وكان البدوي الذي يعيش في الصحراء باحثاً عن الماء والكلأ يرى في السماء مصدر عيشه وبقاء دوابه على قيد الحياة، ويراه الغيث الذي يمنح الحياة استمرارية، وهذا الغيث الذي تحيا به الأرض ورد ذكره في كتاب الله بقوله: "وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ" .
وقد فهم الشاعر العربي أهمية المطر، فبدأ بتوظيفه في أغراض كثيرة، واستخدمه في قصائد الحب بطريقة مباشرة وغير مباشرة، فمنذ العصر الجاهلي والشعراء يتغنون بالمطر، وينظرون إلى البرق والرعد على أنه البشارة التي تأتي بالخير، يقول عبيد بن الأبرص:
يا من لبرقٍ أبيت الليل أرقبه
من عارضٍ كبياض الصبح لماح
ويشبه الشاعر يزيد بن معاوية الدمع المتساقط من عيون محبوبته كتساقط مطر السماء بقوله:
وأمطرت لؤلؤاً من نرجسِ وسقت
ورداً وعضت على العناب بالبَرَدِ
وحين ينزل المطر من السماء يكاد أغلب الناس يتذكرون السياب، وهو يتغنى بأنشودة المطر ويرددون معه "مطر . . مطر" مع أن في النص ما يشيع الحزن، ويجعلنا نتوقف عند تساؤله:
أتعلمين أيَّ حزنٍ يبعثُ المطر؟ وكيف تنشجُ المزاريبُ إذا انهمر؟ وكيف يشعرُ الوحيدُ فيه بالضياع؟
وفي ذاكرتنا الشعبية نتغنى بالمطر حين نسمع صوته فوق أسقف المنازل "طق يا مطر طق، بيتنا جديد، مرزامنا حديد" .
وبدر بن عبدالمحسن وهو تحت المطر يرى مشهداً آخر يبعث الدهشة الشعرية في لحظة تناغم بين ماء السماء وماء العين، يقول:
خدود الرمل بشّت بالحيا من حبة الهملول
وانا تحت المطر مابل غير دموعي ردوني
وعودة المطر بعد غيابٍ تشبه عودة الحبيب التي قد تجعله يصاب بالجنون مثل ما جعل نزار قباني يخرج متدثراً بالمطر:
عاد المطرُ يا حبيبةَ المطرْ، كالمجنون أخرج إلى الشرفة لأستقبلهْ، وكالمجنون أتركه يبلل وجهي، وثيابي . . ويحولني إلى اسفنجة بحرية .
كما يرى فهد المساعد صوت المطر كأنه معزوفة رائعة يستمع إليها في لحظة استرخاء:
صوت المطر من سكوت الليل ينقذنا
هاتي يدك في يدي وامشي على مهلك
وذكر ابن الخطيب المطر بمفردة الغيث وجعله راقصاً بالكلمة مثل رقصته حين يتساقط على الأرض:
جادك الغيث إذا الغيث هَمَى . . . يا زمانَ الوصلِ بالأندلسِ
واستخدم المطر في التعبير عن زيادة الكرم، فيقال فلان كفه كالسيل المنهمر، وهي كناية على كثرة العطاء والجود، والمتنبي الذي اشتهر بكثرة المديح يوظف مفردة المطر في شعره طلباً في إكثار العطاء:
أمطر عليَّ سحاب جودك ثرة
وانظر إليَّ برحمة لا أغرق
لكن مفردة المطر قد لا تكون محببة أو فأل خير لدى بعض الذين يلازمهم المطر ملازمة الروح للجسد، وينظر إليه في بعض الدول بخلاف ما نراه لكثرة انهماره واستمراره، فاستمراريته ربما تعطل الكثير من الأمور، ومن دعاء المطر الذي يروى عن نبي الرحمة في حال زيادته "اللهم حوالينا ولا علينا" فالمطر مع أنه رحمة الله لعباده، ويغسل الأرض ويذهب الكثير من الملوثات في الجو، إلا أن هذه الرحمة قال عنها العامة في مثلهم "رحمة الله وتنمل" ويقصدون بالرحمة هنا المطر، إذا زاد وتسبب في أضرار كثيرة، واستغاثت منه أسقف المنازل التي أنهكها بحصاره الطويل عليها فإنه يصبح ضيفاً ثقيل الظل يتمنى مضيفه رحيله حتى يتنفس ويستريح، وربما يجسد هذا المعنى ما قالته الشاعرة الهندية كمالا ثريا في قصيدتها مطر التي ترجمها نزار سرطاوي:
الآن نعيش في بيت جديد، الماء لا يتسرب من السطح، ولكن حين تمطر هنا، أرى المطر يغمر ذلك البيت الخاوي، أسمعه ينهار هناك حيث يرقد كلبي الصغير، وحيداً .
انسكاب أخير:
أقدر أخوض الحرب من أربع جهات
لكن أخاف من العيون الناعسة

محمد عبدالله البريكي

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"