مشغولون بالانشغال

إيماءات
03:58 صباحا
قراءة دقيقتين

في كل مرة ترد كلمة مشغول، تكون إيذانا بفتح الملف ذاته، حول القيمة الحقيقية لهذه الانشغالات، وأظننا أكثر الناس استخداما للمصطلح بما يوحي بطردنا العبارة من التاريخ بل والجغرافيا الحقيقية لاستخداماتها.

للبعيدين عن البراءة من المحللين هذه المبالغة، في سلوكنا اللفظي المثقل بالشغل والانشغال والاشتغال والتشاغل، وكافة أفرع شجرتها وما يمكن أن تثمر أو تنتج، هو المقياس المعكوس تماما للفراغ. والمرادف الموضوعي، لادعاءات بلا حصر، ليس آخرها، تمنية الذات الدائمة بالأهمية. فالخطاب الشعبي في مجمل العالم النامي، بأن المزيد من الانشغالات تعني المزيد من الأهمية.

فيما تتناقص إنتاجية الفرد العربي حسب تقارير التنمية إلى أقل من نصف الكوري، والتي كانت أعلى بكثير منه قبل ثلاثين عاماً. ولا تزيد إنتاجية الموظف الحكومي مثلا في أحسن الأحوال في غالبية دول المنطقة على ساعتين.

في الفلسفة تفسير واضح يقول إن الانشغال الجوهري، بحقائق الكون الوجودية، وقضاياه التي تعني الناس، هو الاقتراب الحق من مشاعر الناس وأرواحهم، ومشاعرهم.. وهو الالتصاق الرفيع برحم الأرض دون انشغال جوهري بكل ما يقترب من مشاعر الناس.

ابتعاد سافر لرحلة دواخلنا وفيضانها الدائم للخارج، دون أي تقاطع مع إنسانيتنا المدججة بوقائع الحياة والمهمومة بأسئلة الحياة الكثيرة. وانحيازنا المطلق لشكلنا العابر وقضايانا المفتتة، واستمتاعاتنا الصغيرة.

واسمحوا لي أن أحكي لكم حكاية طريفة من شدة إيلامها، إذ كنا في مهمة صحافية نغطي فيها إحدى قرى الجنوب العربي، لنقف على واحدة من أفقر المحطات في المنطقة. ولنشرع في عمل المقابلات مع بعض العائلات التي تفوق أوضاعها العدم بكثير. دخلنا بيتا أصرت صاحبته بأن نتناول الشاي، وذلك بعد تردد طويل. دخلنا المنزل لنجد صاحب المنزل وقد صحا للتو، في منزل يستعيذ تواضع العالم كله من ترديه.. المهم استقبلنا الرجل بحفاوة وطيبة نادرتين، ليدور حديث عن الزراعة وليقودنا لنتساءل عن سبب ترك الأرض الفسيحة المحيطة بالمنزل جرداء، في الوقت الذي يمكن أن تساهم بمساندة الأسرة، سواء عبر تأمين بعض الحاجيات الزراعية وربما الدواجن والبيض والحليب، وشيء من الدخل للأسرة المعدمة تماما.

وفي الجواب اللطيف حلت الكارثة، فقد كنا نتوقع شيئا من الشكوى حول صعوبة تأمين حتى مبلغ متواضع لبدء استثمار بسيط من هذا الشكل، لكن الجواب الصاعق جاء محملا بعبارات الانشغال... لتستحوذ الصدمة علينا، فيما تجرأ المخرج للسؤال حول كيفية ونوعية هذا الانشغال، وهناك حلت الصاعقة، حيث أعاد الرجل التأكيد على انشغالاته، إذ ينام طوال النهار!! نعم ليتمكن من السهر (التعليل) مع جماعته وأقاربه طوال الليل.

والباقي عندكم!

[email protected]

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"