الشارقة: محمد الماحي
حديقة «بحيص» الجيولوجية في إمارة الشارقة من أكبر المشاريع الرائدة في السياحة البيئية، وتتميز الحديقة بموقعها الأثري المهم، وتهدف إلى تعريف الزوار بتاريخ الإمارة الجيولوجي الغني بالبقايا المتحجرة للعديد من الكائنات البحرية القديمة التي استوطنت بحاراً ضحلة كانت تغمر معظم اليابسة في الدولة، حتى فترة قريبة من المنظور الجيولوجي، وتحتضن الحديقة دلائل تاريخية حول كيفية تشكل الطبيعة المحلية قبل فترة لا تقل عن 93 مليون سنة.
وتحوي الحديقة التي تم افتتاحها في يناير/ كانون الثاني 2019 موقعين أثريين يسهمان في تعزيز المعرفة بتاريخ استيطان البشر لهذه المنطقة، الذي يعود لأكثر من 125 ألف سنة.
تشيد تصاميم المباني في الحديقة التي صممتها «هوبكنز»، وهي شركة معمارية مقرها في لندن، بتاريخ الإمارة. ويأتي الإلهام وراء التصميم الفريد للحديقة الجيولوجية، والذي يتكون من خمسة قرون مترابطة، من أحافير ما قبل التاريخ، ويمكن للزوار توقع عروض تفاعلية قائمة على نماذج تستكشف جبال الشارقة والكثبان الرملية، كدليل على تاريخ المنطقة التكتوني على مر السنين، وتسليط الضوء على إنشاء سلاسل جبلية من الحجر الجيري، كما ستتاح للزوار الفرصة لفحص الصخور والأحافير المحلية.
استكشاف صحراوي
تُعرف الحديقة الجيولوجية الزوار والسكان بأهمية جبل بحيص والمناطق المحيطة به، حيث يتيح المكان للزوار فرصة استكشاف المعروضات في القاعات الداخلية، والتجوّل في أرجاء الحديقة الخارجية عبر مساراتها المصممة للتعريف بكيفية تكوّن أبرز المعالم الجيولوجية للمنطقة، مثل السهول الحصوية، وكثبان الرمال، وحتى الخليج العربي بحد ذاته.
وسحرت الحديقة الجيولوجية بجبالها وتنوعها البيئي والطبيعي خيال السياح والزوار، حتى أصبحت ركيزة أساسية للسياحة الجبلية في المنطقة، فالجبال والبقايا المتحجرة للكائنات البحرية القديمة والتشكيلات الصخرية رسمت سيمفونية جيولوجية فريدة من نوعها على مستوى العالم.
تجارب متنوعة
يزدهر هذا النوع من السياحة بشكل خاص عند حلول فصل الشتاء، حيث تدب الحياة في أرجاء الحديقة مترامية الأطراف والتي تجذب الزوار من مختلف أنحاء العالم لعيش تجارب متنوعة وسط الأماكن الطبيعية الخلابة والتضاريس المتنوعة والأجواء الدافئة.
وتتيح الحديقة للزائر خوض تجارب ممتعة ومميزة في مشاهدة البقايا المتحجرة للكائنات القديمة، وجبال الحَجَر، والسهول الحصوية، وكثبان الرمال.
التصميم الداخلي
فازت حديقة بحيص الجيولوجية بجائزة العمارة لعام 2020 /AMP/ وهي جائزة عالمية تحتفي بالإبداع والابتكار في مجالات التصميم المعماري وهندسة المناظر الطبيعية والتصميم الداخلي.
وكان صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، كشف في يناير/ كانون الثاني 2018 عن مشروع إنشاء متحف وحديقة جيولوجية في منطقة البحيص بكلفة قدرها 32 مليون درهم، واصفاً المشروع بأنه استثمار في الطبيعة والإنسان. وتحدث سموه وقتها عن المحميات وطبيعة المناطق الموجودة فيها، وكيفية حمايتها والحفاظ عليها، مبيناً أن محمية جبل البحيص تضم أحافير مهمة، متعهداً بالحفاظ عليها وعدم العبث بها.
وجهات عدة
تزخر إمارة الشارقة بوجود العديد من الوجهات السياحية والترفيهية المميزة على أرضها، إضافة إلى المتاحف والمعالم التراثية والتاريخية الساحرة التي توفر للزوار تجربة ممتعة.
وتتفرد الإمارة بجمعها للتضاريس الصحراوية والجبلية في مزيج فريد يعزز الخيارات أمام قاصديها، حيث أصبحت محمية جبل البحيص بسلسلة جبالها وحصونها مقصداً فريداً لعشاق الطبيعة وسياحة الاستجمام.
ونجحت الشارقة في التحول إلى واحدة من أهم الوجهات السياحية التي يقصدها الزوار من داخل الدولة وخارجها، بعد أن أصبحت السياحة البيئية من أهم التوجهات التي تلقى اهتماما واسعاً في إمارة الشارقة حيث تم تطوير وتنفيذ سلسلة من المشاريع التي تستلهم تصميمها وتفاصيلها المعمارية من البيئة المحيطة.
العصر الحجري
يعتبر جبل البحيص موقعاً رئيسياً لدراسة وفهم فترة أواخر العصر الحجري القديم في منطقة جنوب شرق الجزيرة العربية، حيث كان هناك أقوام من البدو يحطون رحالهم بشكل موسمي في منطقة جبل البحيص كي يأخذوا قسطاً من الراحة مع قطعانهم من الأغنام والماعز والماشية في طريقهم بين الساحل وسلسلة جبال الحجر.
وكذلك فإنهم استخدموا هذا الموقع لدفن موتاهم في المقبرة التي أقاموها هناك، حيث تركوا أيضاً العديد من البقايا التي تنم عن أسلوب حياتهم وتراثهم الثقافي الذي يبدو بوضوح بأنه كان مختلفاً تماماً في مثل هذا الزمن المبكر.
وصدر عن دائرة الثقافة بالشارقة كتاب عن جبل البحيص بعنوان «عالم الآثار في جبل البحيص البيئة الطبيعية لجبل البحيص: الماضي والحاضر»، باللغتين العربية والإنجليزية، وقام بتأليف الكتاب في ضوء التقارير البحثية التي تمت بالآثار المكتشفة كل من «د. هانس بيتر إيربمان، ماركريت إيربمان، ود. صباح جاسم».