لا يتوقف الإسرائيليون عن الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية وبناء المستوطنات عليها، ولا يمل الفلسطينيون من الشكوى منها. وبين الحالين بحر واسع من النتائج، معظمها يظهر على الأرض وبعضها يطفو على سطح المفاوضات، وكلاهما يؤثر سلباً في الشعب الفلسطيني. لقد تعامل الإسرائيليون مع خلق المستوطنات بأسلوب مخاتل يأخذ أشكالاً متنوعة، ما بين علل إقامتها، باعتبارها مستوطنات أمنية، وطريقة إقامتها، من خلال توزيعها بين قانونية وعشوائية.الأولى توحي للعالم بأن المستوطنات دافعها حماية الكيان الصهيوني من المخاطر، وهو إيحاء يجد صدى إيجابياً عند الكثير في الغرب، لأن قضايا الأمن لديهم مفهومة، حيث إنهم يذهبون أشواطاً بعيدة من أجل حماية أمنهم، ولأنها توحي أيضا بأنها محدودة المساحة، وهو تعامل صهيوني ماكر يخفي أن المستوطنات أسلوب لضم الأرض الفلسطينية وانتزاعها من أهلها، وأنها تفقرهم لأنها تسلبهم مصدر الإنتاج الذي يكاد يكون وحيداً لديهم ومنه يعيشون. معظم الناس في العالم لا يعرفون أن الأرض المستولى عليها في الضفة الغربية تقترب من النصف تقريباً، ومعها يسلب الكيان معظم مصادر المياه الجوفية والجارية.أما التفريق بين المستوطنات من حيث قانونيتها فهو أكثر تضليلاً وخبثاً. فالكيان الصهيوني يُدخل في عقل العالم أن الحكم في هذا الميدان هو القانون الإسرائيلي وليس القانون الدولي. الاحتلال حسب القانون الدولي لا ينتج حقوقاً للمحتل، لكن إسرائيل تنتج حقوقاً لأنها لا تعترف أصلاً بأنها دولة محتلة، أو أن الأرض الفلسطينية لا تعود إليها، بل هي لا تحدد لنفسها حدوداً حتى يعرف العالم أين ستقف في توسعها.كما تجعل من المستوطنات العشوائية، التي في معظمها غير مسكونة، قطعة حلوى تعطيها كلما أحرجت في مفاوضات أو من ضغط دولي. بل إنها تفاوض وتراوغ في موضوع المستوطنات العشوائية، فمن بين 100 مستوطنة عشوائية تعهد أولمرت لواشنطن بإزالة 56. وأن يراوغ الكيان الصهيوني لتحقيق أهدافه فأمر مفهوم، أما أن يجاريه الطرف المعني، صاحب الأرض، في مراوغته فهو الأمر الغريب والعجيب.والمجاراة تقع حينما يقبل الطرف الفلسطيني بالذهاب إلى المفاوضات بعد كل إعلان عن إقامة المستوطنات. والغرابة تنبع أيضاً من كون أن الطرف الفلسطيني يفرط في الورقة الأساسية التي يملكها في الوقت الحاضر ضد الكيان الصهيوني، لأن المفاوضات هي مطلب الولايات المتحدة وأوروبا الحريصتين على إظهار أن هناك تقدماً في تسوية القضية الفلسطينية. ولذلك سيكون مؤثراً رفض السلطة الفلسطينية الذهاب إلى المفاوضات حتى تتراجع إسرائيل عن قرارها وأن تجمد عمليات الاستيطان. إذ ينبغي أن يكون الضغط على الطرفين متساوياً على الأقل في هذا المجال.