فكرة ذكية هي تلك التي نفذَها الجندي الإسرائيلي في الاحتياط ياريف موزر (28 سنة): بدل أن يكتفي بالمشاركة في حرب العام 2006 على لبنان، قرر القيام بالتصوير السينمائي والقتال في آن.
وهكذا، ربط هذا الشاب، الذي يملك شركة إنتاج فني في تل أبيب، كاميرة الفيديو حول رقبته بواسطة شريط حذاء، وباشر بالتصوير فور دخوله الأراضي اللبنانية. والحصيلة: فيلم حربي حي وبالذخيرة الحقيقية، وصور أراد الإسرائيليون نسيانها: جنود إسرائيليون يقفزون في كل الاتجاهات لحماية انفسهم من صواريخ حزب الله؛ جرحى مدنيون وعسكريون بالمئات تنقلهم سيارات الإسعاف على جناح السرعة إلى مستشفيات الجليل، والأهم: شهادات لضباط وجنود إسرائيليين يدينون فيها سوء التخطيط للحرب، وتضارب الأوامر، وقرار سحب القوات البرية لدى أول اشتباك مباشر لها مع العدو اللبناني.
الفيلم، الذي حقق فوراً نجاحاً باهراً في كل أنحاء إسرائيل، عرض، كما هي العادة، على المؤسسة العسكرية التي يحق لها وفق القوانين الإسرائيلية ممارسة حق الفيتو على أي عمل فني أو إعلامي تعتبره خطراً أو ماساً بالامن القومي. وبالتالي، السؤال الذي يتبادر فوراً إلى الأذهان هو: لماذا وافق الجيش على بث هذا الشريط السينمائي، الذي يعيد إلى الأذهان الحصيلة المذلة للجنة فينوغراد من أن بضعة آلاف من مقاتلي حزب الله، نجحوا في التصدي لأقوى جيش، وأقوى طيران واكثر المؤسسات العسكرية تطوراً في المجال التكنولوجي؟
حقاً لماذا؟
المؤرخ الإسرائيلي شلومو ساند (جامعة تل أبيب) أجاب مداورة عن هذا السؤال، حين انتقد الفيلم لأنه لا يجيب عن السؤال الأساسي حول ما إذا كانت الحرب الثانية في لبنان ضرورية أم لا. وأضاف: إن إسرائيل تريد أن تنسى هذه الحرب، لكنها لا تزال تستعد لحرب مقبلة. وهذا في إطار عقلية إطلاق النار والبكاء السائدة في الدولة العبرية.
وكيف تستعد لهذه الحرب؟
ليس فقط بالمناورات العسكرية الضخمة تارة في الجولان وتارة أخرى في الجليل، وليس فقط بالتدريبات التي اجرتها مؤخراً طيلة أسبوع كامل على الدفاع المدني وتجهيز الملاجئ والأقنعة الواقية من الغازات، بل أيضاً، وأساساً، من خلال إعداد الجمهور الإسرائيلي سايكولوجياً للجولة الثانية من الحرب. هذا الأمر (أي الجهوزية النفسية للجمهور) أمر فائق الاهمية في أية معركة عسكرية يخوضها أي بلد كون هذه الاخيرة حصيلة جهد مشترك وضروري بين الدولة والمجتمع. وبالنسبة لإسرائيل، هذه المسألة ليست ضرورية فقط بل هي مصيرية أيضاً، لأن كل المجتمع الإسرائيلي موظَف في خدمة المؤسسة العسكرية. فإسرائيل، كما هو معروف، جيش له شعب لا العكس.
فيلم موزر يلعب تماماً هذا الدور، بالتحديد لانه يذكر الإسرائيليين بحرب يريدون أن ينسوها. لكنهم حين يتذكرون، سيشتاطون غضباً وحقداً على حزب الله الذي تجرأ على التصدي لجيشهم الأسطوري، وسيكونون جاهزين نفسياً للانخراط في حرب جديدة يكون شعارها الانتقام واسترداد الهيبة والثقة بالنفس.
أجل. الجندي الاحتياطي موزر نفذ فكرة ذكية. لكن الأذكى هم أولئك المسؤولون العسكريون الذين سمحوا بعرض فيلمه والترويج له أيضاً. [email protected]