يكتب الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت ذات مرة يقول: الشيء الوحيد الذي يجب أن نخشاه في المجتمعات الحرة هو الخوف نفسه، فالرجال والنساء الأحرار في حكم أنفسهم لا يتعرضون للخوف بقدر ما يتعرض له المتفرجون الذين يراقبون بشكل سلبي حكوماتهم القلقة وهي تحاول إخافة مواطنيها.وعطفاً على رؤية روزفلت يستطيع المرء أن يرصد اطراداً أمريكياً يقوده الرئيس بوش نحو السعي لتحصين القلعة الأمريكية عبر إشاعة المزيد من المخاوف والهواجس، وفي هذا السياق كان بوش يستخدم مؤخراً حق النقض (الفيتو) لعرقلة قانون يمنع وكالة الاستخبارات الأمريكية المركزية (CIA) من اللجوء لوسائل استجواب تتضمن ممارسات تعذيب مثل الغمر في المياه.وعند بوش أن تمرير ذاك القانون من شأنه أن يسلب السلطات المعنية ما يراه أحد أهم أدواتها في الحرب على الإرهاب، ليس هذا فحسب بل إن بوش يؤكد أنه لولا هذا البرنامج لنجح تنظيم القاعدة وحلفاؤه في شن هجوم جديد على الأراضي الأمريكية.والثابت أن هذا الرفض يتواكب مع تلك التسريبات التي بدأت تجد طريقها لعدد كبير من وسائط الإعلام الأمريكية عن احتمال تعرض البلاد لهجمة إرهابية جديدة، الأمر الذي يثير المخاوف لجهة إقدام إدارة بوش على مغامرة عسكرية جديدة، مبررة إياها بصد الخطر الداهم وانطلاقا من نظرية الضربات الاستباقية التي أرساها بوش والمجافية والمنافية لكافة الشرائع الدولية.غير أن نفرًا كثيرًا من المسؤولين الرسميين الأمريكيين إضافة لقطاعات هائلة داخل الرأي العام الأمريكي قد باتت رافضة لتحويل أمريكا موطن الحريات إلى دولة بوليسية باقتدار، يعتمل فيها الخوف وتغللها القيود وتكبلها الأصفاد.وفي هذا السياق كان النص الذي رفعه الكونجرس للرئيس للمصادقة عليه لا يحظر استخدام وسيلة استجواب واحدة بعينها وإنما يحظر كل الإجراءات الضرورية لاستجواب أكثر الإرهابيين خطراً في العالم.وفي الحق أنه مهما يكن من أمر الفيتو الرئاسي فإن بوش لم يصب الحريات الأمريكية في مقتل فقط بل ذهب المراقبون إلى أن تكتيكات الخوف التي اتبعها قد سببت أذية بالغة للدستور الأمريكي، وفي هذا الإطار كان هناك ما يشبه الانقلاب الهادئ والمكتوم ضد إدارته والمرجح أن ينفجر عما قريب ماذا عن ذلك؟عبر الواشنطن بوست الأمريكية كان هناك ما يشبه البيان المناهض لأساليب التخويف البوشية وألعابه السياسية بحسب النص، أما الموقعون فهم جاي روكفللر رئيس لجنة الاختيار الخاصة بالاستخبارات، وباتريك ليهي رئيس اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ، وسيلفستر رايز رئيس لجنة الاختيار الدائمة الخاصة بالاستخبارات، وجون كونيرز رئيس اللجنة القضائية بمجلس النواب.ويكفي المرء تأمل الأسماء والوظائف التي يشغلها أصحابها ليدرك خطورة ما سيرد على ألسنتهم وقد ذهبوا رغم الاختلافات الشكلية في ما بينهم إلى أنه لا شيء أهم بالنسبة لنا من سلامة وحرية الشعب الأمريكي، لكن عوضاً عن العمل مع الكونجرس لوضع أفضل السياسات للمحافظة على سلامة بلادنا يعود بوش لإشاعة روح الخوف مجدداً عبر أساليبه وألاعيبه للتغطية على إخفاقاته أضف إلى ذلك أن الرئيس وحلفاءه الجمهوريين يسعون في محاولة يائسة لتشتيت الانتباه عن الاقتصاد المتدهور، والكراهية التي باتت تلف العالم وتعود فتصيب أمريكا والأمريكيين، إلى استغلال قضية الإرهاب لتخويف الشعب الأمريكي ولإظهار أن الديمقراطيين في الكونجرس تركوا أمريكا عرضة لهجوم إرهابي.والحاصل أنه حتى مع الإقرار بأن أمريكا يمكن أن تتعرض لهجوم قادم فإنه وبإقرار رؤساء اللجان الاستخبارية وبلغة المخابراتيين لا المحللين للشؤون السياسية، فإن السبب لن يكون عدم امتلاك قدرات وسلطات للمراقبة المحلية، بل لأن إدارة بوش رغم أصواتها الزاعقة وراياتها الفاقعة طوال نحو ثماني سنوات لم تفعل شيئاً لدحر تنظيم القاعدة الذي أعاد تنظيم صفوفه في باكستان، واكتسب قوة في أنحاء العالم. كما أن الكثير من الأصول الاستخبارية الأمريكية مستخدمة حالياً في العراق بدل أن توجه إلى بن لادن قبل أن يفكر في إعادة الكرة ثانية.ومن الأصوات الرسمية إلى النخب الشعبية داخل الولايات المتحدة تمضي روح الانقسام التي وصلت إلى حد موافقة الناخبين الأمريكيين في بلدتين في ولاية فيرمونت على قرار يأمر الشرطة بالقبض على الرئيس جورج بوش ونائبه ديك تشيني، أما التهمة فهي ارتكابهما جرائم في حق الدستور الأمريكي ويأمر القرار الرمزي وغير الملزم الذي أقر في براتلبورو ومارلبورو في الولاية المعروفة بمواقفها الليبرالية من القضايا الوطنية الشرطة في البلدتين بتسليم بوش وتشيني لمقاضاتهما، هذه الولاية أقرت في وقت سابق قرارات غير ملزمة لإنهاء الحرب في العراق، ومحاكمة بوش وتشيني بغرض عزلهما ما دعا بلدات أخرى لاستصدار قرارات لمحاكمتهما، ولهذا كان من الطبيعي ألا يزور بوش تلك الولاية قط طوال فترتي رئاسته رغم أنه قضى كثيرا من العطلات مع أسرته في مجمع عائلته الواقع في ولاية مين المجاورة.ويبقى القول: إنه إذا كان الإرهابيون بحسب رؤية بوش قد حفروا عميقاً في الخيال الأمريكي فأدخلوا في شقوقه وتجاويفه المخاوف التي تؤشر عليها أكواد التنبه الملونة المحذرة من خطر الإرهاب فإن بوش قد نجح وباقتدار في جعل أمريكا تستحضر بأسلوبها في مواجهة الإرهاب سواء بخوض الحروب في الخارج أو بالسعي لتحصين الأمن في الداخل، الخوف الذي يعتبر السلاح الرئيسي للإرهابيين، ونجح في إقامة إمبراطورية خوف أمريكية عبر نهجه المتشدد والطائش أكثر كثيراً مما تستطيع أي جماعة إرهابية إقامته، وكان طريقه إلى ذلك متعدد المحاور، فمن التعهد بنزع أسلحة كل الخصوم، مروراً بالحروب الاستباقية ونشر أم القنابل وإلغاء الحظر عن استخدام الأسلحة النووية التكتيكية ووصولاً إلى غزو الدول ذات السيادة والتهديد بإزالة الأنظمة، أدخل بوش الخوف في قلوب الأعداء والأصدقاء على السواء بغرض إخضاعهم لتتحول فجأة أمريكا منارة الديمقراطية التي كانت تحظى بأشد الإعجاب في العالم إلى أداة حرب تثير أشد المخاوف في العالم.وفي الحق أنه إذا كان بوش قد ظهر في سنواته الأولى تلميذاً مخلصاً للسيد المسيح فقد بدا فيما بعد أنه اشد إخلاصاً لميكافيلي بعد أن بات خياره أن يكون حاكماً مرهوباً أفضل من أن يكون حاكماً محبوباً وحتى يجد اسمه طريقة في ملفات التاريخ بأنه باني إمبراطورية الخوف الأمريكية الجديدة، وهو ما يقول الراوي عكسه ويصفه بأنه هادم الإمبراطورية الأمريكية بقديمها وحديثها[email protected]