«هل أنت حر؟» سؤال لا يتطلب الكثير من التفكير ليجيب الإنسان باستفاضة، وبعضهم قد يكتب أطروحة يشرح ويعلل ما يشاء. لكن السؤال يخفي تحته أسئلة أهم مثل: «ما هي الحرية الحقيقية؟» و«لماذا ترتبط الحرية في الأذهان بشيء من الحزن، بينما المفترض أن تكون مقرونة بالفرح والانطلاق والراحة؟».
لماذا يشعر المرء بحزن حين يُسأل عن الحرية، ويبحث في ملف حياته وذكرياته عن كل ما يكبله ويقيده ويمنعه عن القيام بأشياء، قبل أن يفكر بما يستطيع أن يفعل وما يحققه في حياته؟ يمشي بالاتجاه المعاكس ليعرف إن كان حراً أم لا، ينبش في كل ما يزعجه، يضع «لا» دليله إلى طريق حريته، وينسى أن يرى كل «نعم» تنعّم بها طويلاً.
هل أنت حر؟ نعم، طالما أنك سيد قرارك في اختيار طريقك، والذي قد يكون في تخصصات في الدراسة والجامعة، أو المهنة، ومكان الإقامة.. والأهم، في اختيار طريق أفكارك وما تؤمن به وتتمسك به وما تسقطه عنك.
الحرية مطاطة وخطيرة، بل فيها الكثير من التناقضات. تشعر أنك حر في السفر أو البقاء، لكنك تعلق مصير مستقبلك على حائط ظروفك التي تسيّرك وأوضاعك التي تجبرك على سلوك دروب أخرى غير تلك التي تحلم بها. هنا تشعر بأن حريتك منقوصة، ولكن هل هناك حرية مطلقة في الحياة؟ هل يمكن لأي إنسان أن يكون حراً دائماً وفي كل شيء وفي كل خطوة يمشيها أو قرار يتخذه أو قرار يتراجع عنه؟ هل يملك الإنسان حرية كاملة في تعامله مع الناس واختيارهم وفق أهوائه ووفق شروطه وقناعاته؟ وهل قناعاته هذه تبقى ثابتة، أم أنها تتأثر بما يمر به وما يتعلمه ومن يتعامل معهم منذ طفولته وحتى شيخوخته؟
الحرية قناعة، اكتفاء ذاتي وليست حالة تنتابنا فجأة ويسلبنا إياها الآخرون فجأة. طبيعي أن نتأثر بالعالم المحيط بنا وبأحوالنا وأوضاعنا، وهنا يكون الاختبار الحقيقي للحرية، فإما أن تعرف كيف تطوعها لتعيش حرية الاختيار والتفكير والتحرر من الأسى وأنت جالس داخل هذا المربع مهما كان ضيقاً وخانقاً، وإما أن تغرق في يأسك وتندب «حظك» وظروفك وتلعن وتصير عنوان التشاؤم على الأرض.
أنت حر إذا عرفت كيف تحرر نفسك من القيود، فكل ما يفرضه عليك الآخر وما تضعه أمامك الحياة خارجي، بينما حريتك تسكن أعماقك وتنطلق منها إلى الخارج. حريتك قوة تشع منك دون أن تدري كيف ومتى، بل يراها الآخرون فيك، ويشعرون بها ولا يفهمون سرها ومنبعها.
نور المحمود