عادي
معركة أدبية ... شهدت وقائعها مجلة "الرسالة"

السطو على المصادر بين إسماعيل أدهم وبشر فارس

05:42 صباحا
قراءة 3 دقائق
ولد الناقد إسماعيل أدهم من أم ألمانية، ماتت وهو في الثانية من عمره، فانتقل به والده الضابط التركي السابق من الإسكندرية حيث ولد إلى الأستانة، وهناك اهتم به أقاربه، ودرس الألمانية والتركية والعربية، ثم عاد إلى مصر عام ،1923 لكنه سافر مرة أخرى إلى تركيا بعد أربعة أعوام، فأكمل تعليمه حتى تخرج في كلية العلوم بها، ثم سافر إلى روسيا، وشكك البعض بعد موته في معرفته للغتين الألمانية والروسية، حتى إن محمد عبدالغني حسن كتب في مقال له بمجلة الرسالة إن أدهم عاش عيشة الغموض ومات ميتة الغموض بعد أن ترك خلفه آثارا جليلة في عالم النقد الحديث، وكان بشر فارس قد كتب مقالا في الرسالة في عددها الصادر في 12 يونيو/حزيران عام ،1939 ينتقد فيه كتابات إسماعيل أدهم عن الأدب الحديث، وأعلامه طه حسين والحكيم وخليل مطران، وفي ذلك المقال استحسن فارس طريقة أدهم الموضوعية واعتداده بالمصطلحات، لكنه عاب عليه التأثر بالغير، والاعتماد على الآراء المسبقة، ونقله بعض مصطلحات الغير دون نسبتها إليهم، وضرب لذلك بمصطلح جملة علاقات اجتماعية الذي استخدمه بشر فارس من قبل.وفي العدد التالي جاء رد أدهم، فدافع عن نفسه قائلاً إن طريقته تجمع بين التركيب والتحليل، نتيجة ثقافته الرياضية، وأنه أكثر كتاب العربية استقصاء للمصادر، في العدد نفسه من الرسالة كتب أدهم نقدا لكتاب بشر فارس مباحث عربية ممتدحا موضوعه ومنهجه وانتهى إلى أن الكتاب فريد في موضوعه، وفي منهج بحثه وفي منحى تحقيقه.ومضى بشر فارس وإسماعيل أدهم في كيل الاتهامات كل منهما للآخر، فكتب الأخير تحت عنوان بشر فارس ومصطلحاته رداً على ما سبق أن أثاره فارس حول سرقة أدهم لمصطلحاته، وفي هذا المقال اتهم أدهم زميله بأنه لا يصلح كاتباً ناقداً، ولا يفلح في أن يكون صاحب مطالعات ونظرات فضلاً عما في كتاباته المرتجلة من تهافت.وعلق فارس في العدد التالي (الرسالة العدد 314 في 10 يوليو/تموز 1939) ساخراً من أدهم، متهماً إياه بالارتجال واختلاق المصادر، ثم علق أدهم مدافعاً عن نفسه ونسب مصطلح جملة علاقات اجتماعية السابق ذكره إلى عالم الاجتماع الفرنسي دور كايم لا إلى بشر فارس الذي زعم أن المصطلح من وضعه. وعاد بشر فارس فاتهم إسماعيل أدهم بأنه يحسن الإيهام عن طريق المغالطة، وأنه ممن لا يخشى أن يستكره الحجج على مواضعها فيجتلبها اجتلاباً، على حد قوله، كما اتهمه بأنه ينحرف إلى ارتجال المصادر ارتجالاً، واعتبره أجنبياً على العلم، بعيداً عن الدقة، وشكك في تخرجه في جامعة موسكو، ثم استمر في هجومه عليه في العدد التالي. وتدخل صديق شيبوب داعياً إلى إغلاق باب المناقشة بين الاثنين لكن الطرفين لم يتوقفا عن تبادل الاتهامات، حيث اتهم فارس أدهم مرة أخرى بالمغالطة والعناد والاختلاق والتهويل والنقد عن هوى وركاكة الأسلوب والتعالم والارتجال، وراح أدهم هو الآخر يتصيد الهفوات لفارس، ويتهمه بضعف المصادر واختلاقها.وتدخل محمد أمين حسونة فكتب عن ارتجال المصادر واتهم أدهم بالسطو على مرجع إيطالي، وطالبه بأن يرسل لإدارة مجلة الرسالة الترجمة التركية المزعومة للمرجع لمجرد الاطلاع عليه والإفادة منه، غير أن أدهم لم يرد على هذا الاتهام حتى موته انتحاراً بعد بضعة أشهر.وكشفت هذه المعركة بعض الجوانب المثيرة للتساؤل في شخصية إسماعيل أدهم، ذلك الشاب الذي كان كثير الجرأة والاقتحام لموضوعات معقدة في العلوم والرياضيات، فله مقال عنوانه الذرة وبناؤها الكهربائي نشره في الرسالة في عددها الصادر في 8 يوليو/تموز،1940 ولم يكن متزوجا أو يعمل في وظيفة ما، ويعيش على إيراد بيت يمتلكه في الإسكندرية، وهجر البيت ساكنوه بسبب اشتداد الغارات على المدينة، في وقت الحرب، وعلى أثر ذلك انتحر أدهم، وقد رثاه أحمد حسن الزيات صاحب الرسالة في افتتاحيتها في 5 أغسطس/آب ،1940 بعنوان نهاية أديب.لكن د. علي شلش بعد ذلك أثار عدة أسئلة تشككية حول إسماعيل أدهم، منها: كيف تأتي لهذا الشاب أن يحصل على الدكتوراه من جامعة موسكو في العلوم والرياضيات وهو في سن الثانية والعشرين.. ثم الدكتوراه الفخرية في الأدب وهو في الخامسة والعشرين؟ وكيف عُيّن أستاذاً مساعداً للطبيعيات بجامعة موسكو، ثم أستاذاً للرياضيات بجامعة ليننجراد؟ وكيف ألف بالألمانية وانتخب عضواً (أو مراسلاً) لأكاديمية العلوم للجمهوريات السوفييتية؟ وكيف استطاع أن يجيد إلى جوار التركية والعربية والألمانية الإنجليزية والفرنسية؟ بل كيف هجر ذلك الماضي العلمي كله تقريباً ليحترف الكتابة في الأدب والنقد؟!

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"