عادي
“البطريرك” الذي مات وبقي تاريخه

ساويرس بن المقفع مؤرخ الأمة

00:52 صباحا
قراءة 5 دقائق

المجد لله باعث العلوم ومبديها، وخالق الأمور ومنشيها، وصانع الخلايق ومكونها، ومهدي من يشا ويصطفيه، ورافع من يختاره من عبيده صفوته وخلق الصالحين وينتخبه ويرتضيه، الذي يرفع من الأرض مسكينا، ومن المزبلة فقيرا فيجعله ملكا على خلقه ومسلطا على تدبير عباده وبلاده، وكبر به العز يورثه ليحكم في الأرض بالعدل بين الناس بالحق، ليقمع القوي عن الضعيف وينقذ المظلوم من الظالم.

بهذه السطور يفتتح ساويرس بن المقفع واحدا من أهم كتب التاريخ المصري في العصر الوسيط، الذي ظل مهملا ومنسيا لفترات طويلة وهو تاريخ البطاركة، ويعود سبب هذا الإهمال إلى الاعتقاد الخاطئ لدى الكثيرين بأن الكتاب مخصص لآباء الكنيسة المصرية منذ مارمرقس، أول الآباء ومؤسس الكرسي الرسولي، بينما الحقيقة أنه كتاب شامل جامع لتاريخ مصر في إحدى الفترات الحاسمة، كما أنه صوت المصريين القبط الذين ندر أن نستمع لصوتهم في تلك الفترة.

أما ساويرس بن المقفع فهو ساوري المعروف باسم أبو البشر بن المقفع الكاتب الذي ولد على الأرجح عام 915 م من والد لقب بالمقفع، ولا علاقة لهذا اللقب بلقب عبد الله بن المقفع الكاتب الشهير الذي عاش في القرن الثامن الميلادي، ونقل كتاب كليلة ودمنة إلى العربية، بل يعود هذا اللقب إلى الكلمة المصرية القديمة قفة المحرفة إلى قفعه وإن كانت لا تزال تنطق حتى اليوم قُفة، وتطلق على وعاء من الخوص الذي يصنعه عادة الفلاحون في مصر.

ويشير عبد العزيز جمال الدين الذي حقق هذا الكتاب منذ عامين فقط ونشرته مكتبة مدبولي بالقاهرة في أكثر من 7 آلاف صفحة وفي ستة مجلدات إلى أن والد ساوري ربما كان ممتهنا لمهنة صناعة القفف أو القفع، وانحدر اللقب من الأب إلى الابن.

وإذا كان الفتح العربي لمصر جرى عام 639م، فإن صاحبنا عاش وكتب أعماله بعد ثلاثة قرون تقريبا من هذا الفتح، وبعد أن استقر الأمر بحكم الأسرة الإخشيدية التي استقلت بالبلاد، ويؤكد عبد العزيز جمال الدين أن ساويرس تربى تربية علمية تليق بمثقفي ذلك الوقت، فجمع بين العلوم الدينية والدنيوية فعرف الفلسفة التي كانت مزدهرة في الإسكندرية وعلوم الكلام التي قرأها في مصادرها، وأتقن اللغة العربية الوافدة وطورها في شكلها المصري وعمل في الوظائف والدواوين.

ترقى ساويرس في الجهاز الإداري للدولة، وكان من بين القليلين من المصريين الذين اقتضت وظيفتهم أن يكونوا مطلعين في اللغة العربية التي تعتبر حديثة في ذلك الوقت بالقياس للمصرية، وعندما وصل إلى أعلى المناصب في ذلك الجهاز، تخلى عن وظيفته طواعية ليترهبن في أحد الأديرة متفرغا للكتابة، ثم ما لبث أن اختير أسقفا للأشمونيين وغير اسمه من أبو البشر إلى الأنبا ساويرس على اسم البطريرك الذي رسّمه أسقفا.

المثير للدهشة أن أحدا من المؤرخين المعاصرين له أو اللاحقين عليه لم يترجم له، على الرغم من الدور الذي لعبه كمؤرخ، وربما لأنه اعتبر مجرد رجل دين قبطي تنحصر أعماله في الشأن الديني وحده، وذكر الأنبا ميخائيل أحد الأساقفة في زمن الخليفة المعز لدين الله الفاطمي وممن أكملوا كتاب تاريخ البطاركة بعد وفاة ساويرس 20 كتابا لساويرس وصلت إليه، ومن المرجح أن له كتبا أخرى عديدة لم يعثر عليها.

ولا شك في أن الرجل نهض بعبء ثقيل ليقوم بتأليف كتابه تاريخ الآباء البطاركة، حيث طاف بأغلب الأديرة المصرية ليجمع المعلومات والأخبار، ثم ترجم الوثائق القبطية واليونانية إلى العربية. وفي الوقت الذي كان ساويرس يكتب فيه تاريخ كل بطريرك منذ ظهور المسيحية زمن الإمبراطور الروماني أغسطس قيصر وحتى بداية حكم الخليفة الفاطمي الآمر بأحكام الله، كان يكتب أيضا عن الأحداث السياسية والدينية والاجتماعية التي مرت، وانتقال مصر من التبعية للخلافة إلى الاستقلال الذاتي خلال حكم الدولة الطولونية ثم الإخشيدية وحتى الخلافة الفاطمية.

ونظرة سريعة على الصفحات التي كتبها في تاريخ الآباء البطاركة، تؤكد مدى الخطأ الذي ارتكبه المؤرخون بإهمالهم له واعتباره مجرد كتاب في التاريخ القبطي، فالرجل كتب بالتفصيل عن أيام الرخاء، وأيام القحط والمجاعات، وعلاقة البطاركة بالولاة والأمراء العرب، ومركز المصريين في ظل السلطة الإسلامية ومدى تمتعهم بالحرية الدينية، وأسماء الأقباط الذين شغلوا الكثير من الوظائف، خصوصا المالية والإدارية التي برعوا فيها.

وهكذا حفظ ساويرس معلومات ووقائع وأحداثا لم يشر إليها المؤرخون إلا على نحو عابر مثل ثورة البشموريين التي لم يغفل عن ذكرها المؤرخون المسلمون الثقاة، وهي الثورة التي اندلعت في أوائل القرن التاسع الميلادي في الدلتا بسبب زيادة الضرائب والجزية، ولم تخمد إلا بمجيء الخليفة المأمون إلى مصر وقتال البشموريين وسحقهم، ثم حمل من تبقى من المتمردين في سفن سارت بهم إلى العراق حيث تم نفيهم نهائيا.

أما الإسكندرية فنالت عناية خاصة من مؤرخنا لأنها كانت مقرا لبطريركية الأقباط، فيذكر مثلا أنها ظلت حتى عصر الإخشيديين تعد في الغالب جزءا مستقلا عن مصر، وكان الأمير أحمد بن طولون أول من تقلد بمرسوم خاص من الخليفة العباسي ولاية مصر كاملة بما في ذلك الإسكندرية، وفي هذا السياق يثني ساويرس ثناء خاصا على الخليفة المتوكل لأنه أمر بتوصيل قناة لمياه النيل إلى المدينة، وقبل ذلك لم تكن المياه تصل إلا وقت الفيضان.

ويشترك ساويرس مع غيره من المؤرخين المسلمين في الإفاضة حول فترة المجاعة التي عرفت بالشدة المستنصرية أثناء حكم الخليفة المستنصر بالله الفاطمي، وإذا كان المؤرخون قد أوردوا تفاصيل دقيقة حول المجاعة ذاتها، التي وصلت إلى حد أكل البغال والحمير الميتة بل والبشر، فإن ساويرس عُني بالقلاقل وحروب الانفصال بين القبائل وفرق العسكر المتناحرة على مدى سبع سنوات هي فترة المجاعة.

أما الحروب الصليبية فتناولها ساويرس على نحو يليق بكاتب ومفكر مصري، فعلى الرغم من ديانته المسيحية، بل على الرغم من أنه رجل دين مسيحي، إلا أنه لم يعتبر تلك الحرب حربا بين الإسلام والمسيحية، بل وصف الصليبيين بالغزاة أعداء الشرق.

وحسبما ذكر محقق الكتاب الضخم بمجلداته الستة، فإن مخطوطات سير الآباء البطاركة محفوظة في عدد من مكتبات العالم الكبرى، إلى جانب المتحف القبطي بمصر الذي يحتفظ بإحدى تلك المخطوطات، هناك نسخ أخرى محفوظة من عام 1713 م في باريس، ثم توالى تحقيقها ونشرها في أجزاء غير مكتملة حتى عام 1974 بصدور المجلد الرابع عن الجمعية القبطية.

والواقع أن كتاب ساويرس حفل بالوقائع والأحداث التاريخية المتعلقة بالوطن بكامله ولم يقتصر مطلقا على آباء الكنيسة، وإذا كان مؤرخو الكنيسة استكملوا الكتاب بعد رحيل ساويرس، فإن واضع الأساس ومن أخذ على عاتقه الطواف بالأديرة المنتشرة هنا وهناك، ومن ترجم وحقق الفترات الأولى من مخطوطات مكتوبة بالقبطية واليونانية هو ساويرس.

وأخيرا فإن معاصري ساويرس للأسف لم يخصوه بترجمة لحياته وأعماله، وهو نفسه كان متواضعا إلى الحد الذي لم يتكلم عن نفسه.

وهكذا فإن كل ما نعرفه عن الرجل هو ما كتبه عن الآخرين وأغفل نفسه كما يليق بأصحاب الرسالات، غاب ساويرس إذن.. وبقي تاريخه.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"