عادي
أفق

الواقعية الرقمية

02:47 صباحا
قراءة دقيقتين

تشهد الحياة المعاصرة غزوا رقميا افتراضيا حل محل الواقع المادي المألوف، حيث غزا الزمن الرقمي كافة مجالات الحياة بما فيها مجال العلاقات العاطفية وتأثرت مختلف أنواع الإبداع بهذه الثورة الرقمية ليتحول شكل الكتاب المطبوع إلى كتاب إلكتروني وتتحول الكتابة نفسها من كتابة بالورق وقلم الرصاص، كما كان يفعل الروائيون قديما، إلى كتابة رقمية بإمكانها أن تأخذ من كل شيء وتتداخل مع كل شيء، إلى درجة تجعل المراقب يقف أمامها حائرا في التسميات التي يمكن أن يطلقها على هذه الزومبيات أو الكائنات الرقمية الغريبة التي يقول أصحابها إنها إبداع قصصي أو روائي أو شعري، في الوقت الذي يشترك في إنجابها عدد كبير من التخصصات والفنون.

الأصل في العمل الإبداعي إذا كان نصا، أنه أصيل وقائم بذاته، أي انه لا يتوسل بأي شيء آخر ليستجدي إعجاب القارئ، لأن الإبداع الحقيقي يفرض نفسه دون استجداء.

لمن شاء أن يبتدع ويخترع ما يشاء من الأشكال والمنتجات الرقمية الجديدة، لكن أن يطلق عليها تسمية رواية أو قصة أو قصيدة تحت غطاء الواقعية الرقمية هذا شيء آخر مختلف تماما. لأنه عندما يتوسل المبدع بمختلف التقنيات السينمائية من موسيقا وصوت وصورة ورسم وتشكيل وغرافيكس وغير ذلك، في إنتاج أو إخراج نص روائي مثلا، يكون من حق المتلقي أن يتساءل : هل هذه رواية فاشلة ورقيا لا تريد أن تقول فشلها الورقي فتلجأ إلى السرداب الرقمي لتخفيه ؟ أم أن هذا ما هو في الواقع سوى فيلم سينمائي من النوع الرديء (بسبب ضعف ومحدودية أدوات وإمكانات الإنتاج) تضاف إليه بعض النصوص السردية ليقال عنه إنه ثورة في عالم الرواية؟ أم أن لهذه الكائنات الجديدة منزلة إبداعية بين المنزلتين المذكورتين؟

محمد سناجلة زعيم هذا التيار على المستوى العربي أخرج سنة 2006 صقيع وقدمها على أنها قصة قصيرة تتداخل فيها الأجناس الإبداعية المختلفة لتؤدي الموسيقا والإضاءة والصورة مع الاقتصاد في اللغة الحرفية وتوظيف برنامج فلاش ماكروميديا وغيره برامج المونتاج السينمائي. وفي شات الأخيرة وظف مقاطع كاملة من أفلام سينمائية مثل أميركان بيوتي وذي ماتريكس حيث يرى أن الكلمة في لغة الواقعية الرقمية تكتب بالصورة والصوت والمشهد السينمائي والحركة.

إذا كانت المسألة بهذا الشكل فإن جميع نصوص سيناريوهات الأفلام الناجحة، يمكن تحويلها وبسرعة إلى روايات واقعية رقمية. فهل سيرضى النقاد على قبول تلك النصوص في حرم الرواية ؟

أود أن أشير في هذا السياق، إلى أن مسألة الاتفاق أو الاختلاف مع ما يسمى الواقعية الرقمية ليست له أي علاقة مع التحكم أو عدم التحكم في تقنيات الكمبيوتر، لأن الموضوع لا يرتبط بالوسيلة من حيث هي أداة بقدر ما يرتبط بأصول العملية الإبداعية نفسها كما عرفها ويعرفها أهلها.

الكتابة الرقمية لا تزال قيد التبلور، وحتى مصطلحاتها لا تزال متداخلة ومبهمة. وفي انتظار انقشاع الغبار، ليستمر من شاء في كتابة ما يشاء.

سعيد جاب الخير

[email protected]

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"