د.خليل حسين *
لا ينقص لبنان المزيد من المتاعب المالية، وبخاصة في هذه الظروف القاسية التي يمر بها الاقتصاد اللبناني. فقد تمَّ الإعلان في الأمم المتحدة عن فقدان لبنان حق التصويت في الجمعية العامة بالنظر لتراكم ما يستحق عليه لعامين متتاليين، الأمر الذي يطرح مزيداً من علامات الاستفهام حول السلوك والأداء الذي يتم التعامل به مع هذه القضية المتصلة بعلاقات لبنان الخارجية، وبخاصة مع منظمة عالمية، يعد لبنان أحد مؤسسيها ال53 في عام 1945.
إن مشاركات الدول الأعضاء المالية في الأمم المتحدة يعد أمراً جوهرياً؛ لاستمرار تصويت الدولة وفقاً للمادة (19) من ميثاق الأمم المتحدة، التي تنص على: «لا يكون لعضو الأمم المتحدة الذي يتأخر عن تسديد اشتراكاته المالية في الهيئة حق التصويت في الجمعية العامة، إذا كان المتأخر عليه مساوياً لقيمة الاشتراكات المستحقة عليه في السنتين الكاملتين السابقتين أو زائداً عليها، وللجمعية العامة مع ذلك أن تسمح لهذا العضو بالتصويت إذا اقتنعت بأن عدم الدفع ناشئ عن أسباب لا قبل للعضو بها». ووفقاً لهذا النص فإن ثمة ظروفاً يمكن للجمعية العامة البت بها لجهة السماح للدولة المتخلفة عن السداد لاستكمال حق المشاركة في التصويت إذا كانت الأسباب خارجة عن قدرة الدولة.
إلا أن الأمر يتخذ شكلاً أكثر خطورة إذا ما تم ربطه بقدرة الدولة على الالتزام بواجباتها الأساسية في الأمم المتحدة، وهو شرط أساسي لقبول الدولة في عضوية الأمم المتحدة، فوفقاً لمواد الفصل الثاني، على الدولة التي تود الانضمام لعضوية الأمم المتحدة، أن تكون محبة للسلام، وأن تكون قادرة على الالتزام بما تطلبه الأمم المتحدة، ومن بينها مثلاً الاشتراكات المالية التي تعد مورداً أساسياً لموازنة المنظمة. والمسألة هنا تمتد إلى إمكانية اعتبار لبنان مثلاً غير قادر على الالتزام بواجباته لدى الأمم المتحدة، وبالتالي وصول الأمر إلى عضوية لبنان في المنظمة الدولية.
ولبنان أدرج هذه الدورة من بين الدول العشر إلى جانب الصومال وإفريقيا الوسطى وجزر القمر وغيرها من بين الدول ال193 المنضمة إلى الأمم المتحدة. على أن هذا الإعلان لا يعد أمراً إنشائياً للبدء في منع حق التصويت أو الفصل من الأمم المتحدة، وهو أمر إعلاني ليس إلا، وليس ثمة سابقة أن فصلت أو طردت دولة من عضوية الأمم المتحدة لأسباب تتعلق بالتخلف عن الدفع.
والتخلف عن الدفع هو ظاهرة شائعة في الأمم المتحدة، وليست بالضرورة من قبل دول صغيرة أو فقيرة؛ بل تظهر في أحيان كثيرة من دول عظمى كالولايات المتحدة أو الاتحاد السوفييتي السابق؛ بهدف الضغط لتمرير قضايا سياسية إقليمية أو دولية في أجهزة الأمم المتحدة. وقد فعلتها واشنطن عدة مرات لتمرير سياسات تهمها، وأحياناً كثيرة لجأت إلى دفع مستحقات مالية عن دول فقيرة أو صغيرة؛ بهدف شراء أصواتها في الجمعية العامة، وآخرها كان دفع مستحقات عن عشر دول في السادس من ديسمبر/كانون الأول 2017؛ لتأمين ثلثي الأصوات في الجمعية العامة للموافقة على الاعتراف بالقدس عاصمة ل«إسرائيل».
إن حساسية الوضع اللبناني تنطلق أولاً من كونه دولة مؤسسة للأمم المتحدة، وليس دولة منضمة، إضافة إلى الجانب القانوني، المتعلق بأساس وجوهر قبول الدول في الأمم المتحدة، وثالثاً لجهة ملاءة الدولة وسمعتها السياسية في الإطار الدولي. كما تكمن خطورة الموضوع في أن يتم التشدد في حالة الوضع اللبناني؛ بهدف زيادة الضغوط السياسية والاقتصادية؛ لإجباره على سلوك سياسات محددة ترغب بها واشنطن، بخاصة ما يشهده لبنان من حراك على قاعدة الفساد المستشري، وما وصلت به الأمور (مالياً واقتصادياً) إلى حد الانهيار.
* رئيس قسم العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية